صراع الحقوق في سوريا: دعاوى التشهير تطال كاشفي ماضي المسؤولين على وسائل التواصل الاجتماعي


هذا الخبر بعنوان "عندما يُحاكم الضحية: كشفوا مجرمي الحرب على "فيسبوك" فاستدعاهم القضاء!" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تمضِ أشهر قليلة على بدء تشكيل مؤسسات المرحلة الجديدة في سوريا، حتى تحول الجدل الدائر من منصات التواصل الاجتماعي إلى قاعات المحاكم. فمع انتشار صور وتصريحات قديمة تعود لعدد من المسؤولين الذين شغلوا مناصب في المرحلة السابقة، لجأ بعض هؤلاء إلى رفع دعاوى قضائية بتهم الذم والقدح والتشهير ضد من قام بنشر تلك المواد.
يبرز هنا تساؤل يتجاوز الجانب القانوني ليلامس الأبعاد السياسية والأخلاقية: أين ينتهي حق الأفراد في حماية سمعتهم، وأين يبدأ حق المجتمع في معرفة دور من يتولى الشأن العام؟
عقب سقوط النظام في الثامن من ديسمبر، شهدت مواقف عدد من الأشخاص الذين كانوا جزءاً من بنيته الإدارية والقضائية تحولات سريعة. فقد سارع مسؤولون وموظفون كبار ومديرون إلى إعلان مواقف جديدة بشكل واضح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستبدلين صورهم وشعاراتهم السابقة بأخرى تعبر عن المرحلة الراهنة.
بالتوازي مع ذلك، لوحظ حذف واسع لمنشورات وصور قديمة كانت توضح مواقعهم أو علاقاتهم بمؤسسات السلطة السابقة. إلا أن هذه المحاولات لم تمنع انتشار مواد محفوظة لدى كثير من السوريين، تضمنت صوراً وتصريحات ومواقف تعود لسنوات مضت، وأعيد نشرها بعد التغيير أملاً في أن تؤخذ بعين الاعتبار عند إعادة تشكيل المؤسسات.
اعتبر كثيرون أن نشر تلك المواد يمثل جزءاً أساسياً من المطالبة بالمساءلة، خاصة في ظل الحديث عن العدالة الانتقالية وضرورة التحقق من أدوار من سيتولون مواقع المسؤولية العامة، ولا سيما أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم بالبنية الأمنية أو القضائية أو الاقتصادية للنظام السابق.
لكن الجدل تصاعد لاحقاً مع صدور قرارات تعيين في مواقع إدارية وقضائية، تضمنت أسماء رأى قطاع من الرأي العام أنها غير منسجمة مع متطلبات المرحلة الجديدة. وبررت جهات مختلفة هذه الإجراءات بالحاجة إلى الاستقرار الإداري ونقص الخبرات المتاحة، بينما رأى منتقدون أن جزءاً كبيراً من الكفاءات غادر البلاد خلال السنوات الماضية، وأن إعادة تدوير بعض الشخصيات قد يؤثر سلباً في ثقة المجتمع بالمؤسسات الناشئة.
انعكس هذا بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت حملات كشف للسير والمواقف السابقة لبعض المعينين، ما دفع جهات رسمية إلى إعادة النظر في عدد من القرارات والتراجع عنها. إلا أن التطور الأبرز تمثل في انتقال النزاع إلى القضاء، مع لجوء بعض من كُشف ماضيهم إلى تقديم دعاوى الذم والقدح والتشهير بحق ناشري الصور أو التسجيلات. وقد فتح ذلك نقاشاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين حماية السمعة الشخصية وحق المجتمع في الاطلاع على ماضي من يتولى الشأن العام.
يرى متابعون أن هذه القضايا تضع القضاء أمام اختبار حساس: فمن جهة لا يجوز الاتهام دون دليل أو المساس بالحياة الخاصة للأفراد، ومن جهة أخرى لا ينبغي أن تتحول الدعاوى إلى وسيلة لإسكات ضحايا أو شهود أو لمنع توثيق وقائع مرحلة ما زالت آثارها قائمة.
فالعدالة الانتقالية، في جوهرها، لا تقوم على الانتقام ولا على النسيان، بل على كشف الوقائع وإقرار المسؤولية ضمن إطار قانوني يحقق الإنصاف ويمنع تكرار الانتهاكات. أما تجاهل الماضي أو ملاحقة من يذكّر به، فلن يعالج الجراح بقدر ما قد يكرّس انعدام الثقة.
إن بناء مؤسسات مستقرة لا يتحقق فقط بملء الشواغر الإدارية، بل بترسيخ الثقة العامة. وهذه الثقة تبدأ من وضوح المعايير: لا إدانة بلا دليل، ولا حصانة بلا مساءلة. وبين هذين المبدأين فقط يمكن أن تتشكل دولة القانون التي ينتظرها المجتمع. بقلم عروة السوسي - زمان الوصل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة