حزب البعث السوري: رحلة من الحلم القومي إلى الاندثار المعلن في 2025


هذا الخبر بعنوان "البعث السوري من الحلم القومي إلى الاندثار" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مطلع ستينيات القرن الماضي، برز حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا، وعدد من الأقطار العربية، كأحد أكثر المشاريع السياسية العربية طموحاً، حاملاً شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية. هذه الثلاثية جسّدت آمال جيل عربي تطلع إلى الاستقلال والهوية والتنمية بعد حقبة الانتداب. إلا أنَّ المسافة بين هذه الشعارات النبيلة والممارسة الفعلية، وبين النص التأسيسي والتجربة التاريخية، اتسعت بشكل متسارع، مما جعل اندثار البعث السوري المتوقع في عام 2025 بمثابة خاتمة منطقية لمسار طويل من التآكل الداخلي.
يقدم حازم صاغية، في كتابه "البعث السوري: تاريخ موجز"، قراءة معمقة لمسار الحزب، مبيناً تشكّله عند تقاطعات العسكر والطائفية والأيديولوجيا المعلقة. تكمن أهمية هذا المسار في تحوّل حزب ادّعى تمثيل الأمة إلى جهاز سلطوي مغلق، حيث تُفرغ الأفكار الكبرى من جوهرها عندما تُختزل في سلطة لا ترى في المجتمع سوى أداة للضبط والإخضاع.
منذ نشأته، لم يكن البعث السوري حزباً جماهيرياً بالمعنى الحديث، فبرغم خطابه الوحدوي العابر للحدود، تشكّلت بنيته الفعلية ضمن بيئة سياسية هشة اعتمدت على الانقلابات العسكرية كوسيلة رئيسية للوصول إلى السلطة، بدلاً من التراكم الاجتماعي أو العمل السياسي طويل الأمد. وقد مثّل انقلاب عام 1963 لحظة مفصلية، حيث التحم تنظيم حزبي ضعيف بمؤسسة عسكرية تسعى لغطاء أيديولوجي.
منذ ذلك الحين، بدأ البعث يفقد جوهره كحزب، متحولاً تدريجياً إلى مجرد أداة للحكم. بين عامي 1966 و1970، شهد الحزب صراعات داخلية حادة تمحورت حول إعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة والسيطرة على أجهزة الحكم والمؤسسة العسكرية، مما أدى إلى إعادة تشكيل قيادته. خلال هذه المرحلة، تراجع الدور السياسي للحزب لصالح الدور الأمني والتنظيمي، وتقلصت وظيفة مؤسساته كمنصة لصياغة الخيارات العامة.
مثّلت "الحركة التصحيحية" التي قادها حافظ الأسد عام 1970 نقطة تحول حاسمة. فبدلاً من أن تصحح مسار الحزب والدولة، كرّست هذه الحركة الفصل النهائي بين الخطاب البعثي والممارسة السياسية. جرى تفريغ الحزب من أي دينامية داخلية، وتحويله إلى إطار شكلي لإعادة إنتاج السلطة، بينما انتقلت مراكز القرار الحقيقية إلى دوائر أمنية وشخصية مغلقة.
خلال هذه المرحلة، تآكلت فكرة الحزب الطليعي كأداة للتغيير الاجتماعي، وأصبحت العضوية الحزبية مرتبطة بالترقي الوظيفي والوصول إلى الموارد والاندماج في شبكات النفوذ. أثر هذا التحول مباشرة على علاقة الحزب بالمجتمع، فلم يعد البعث يمثل أي شريحة اجتماعية محددة، ولا يعكس مصالح واضحة، ولا يعبر عن مطالب عامة. اتسعت الهوة تدريجياً بين الحزب والمجتمع، ليصبح كياناً قائماً بذاته، منفصلاً عن أي دينامية اجتماعية حقيقية.
في هذا السياق، تحوّل البعث من مشروع سياسي قابل للنقد والتطوير إلى بنية جامدة تعيش على تكرار ذاتها. نشأت فجوة عميقة بين الحزب والمجتمع، بسبب القمع السياسي والعجز البنيوي عن تقديم نموذج تنموي أو اجتماعي مقنع. لم تنتج الاشتراكية البعثية اقتصاداً عادلاً أو دولة رفاه، بل رسخت اقتصاداً ريعياً زبائنياً تُدار موارده عبر شبكات فساد مغلقة. هذا الواقع الاقتصادي أثر سلباً على مكانة الحزب، فالتنظيم الذي يحتكر السياسة دون تقديم نتائج ملموسة يفقد معناه الاجتماعي.
فشل البعث في بناء علاقة مستدامة بين السلطة والاقتصاد والمجتمع، ولم يتمكن من بلورة سياسات عامة واضحة تُنسب إلى حزب حاكم. بدلاً من ذلك، سادت إدارة مركزية للموارد، وتحكم واسع للدولة، وتراكم لشبكات النفوذ. أما الخطاب القومي، الذي كان ركيزة فكرية للبعث، فقد ظل حبيس التنظير، إذ لم تُبنَ العلاقات العربية والمشاريع الوحدوية والسياسات الإقليمية على تصور سياسي طويل الأمد. الحزب الذي حمل فكرة عابرة للحدود انتهى منغلقاً داخل الدولة، مرتبطاً بها، وعاجزاً عن بناء امتداد سياسي خارجها.
بمراجعة التجربة البعثية في الأقطار العربية، يتضح أن هذا المسار لم يكن سورياً خالصاً. فاندثار حزب البعث في العراق عام 2003، رغم كونه نتيجة لتدخل خارجي مباشر، كشف عن هشاشة مشابهة. حكم حزب البعث العراق، وهو بلد غني بالموارد، منذ عام 1968، ورفع شعارات قومية كبرى، لكنه انهار بسرعة مذهلة بعد أزمات عديدة افتعلتها دائرته الضيقة في السلطة داخلياً وخارجياً. لم يتمكن البعث العراقي من الصمود كتنظيم، ولم يتحول إلى قوة اجتماعية قادرة على الاستمرار خارج السلطة.
في كلتا الحالتين، السورية والعراقية، تبين أن البعث لم يكن حزباً متجذراً في المجتمع، بل كان بنية فوقية ارتبط وجودها عضوياً بالدولة وأجهزتها. يمكن وصف الاندثار الرسمي للبعث السوري في عام 2025 بأنه إعلان إفلاس لنموذج كامل من العمل السياسي العربي، نموذج قام على احتكار الحقيقة، وتقديس الزعيم، واستبدال السياسة بالأيديولوجيا الجامدة.
يمكن القول إن مأزق البعث السوري تمثل في تصوره للسياسة نفسها؛ فلم تُفهم السياسة كحقل للصراع والتفاوض وإدارة الاختلاف، بل كمسار خلاص تاريخي محتوم يقود إليه حزب طليعي يدعي معرفة "مصلحة الأمة" أكثر من الأمة ذاتها. هذا التصور، المستعار جزئياً من تجارب شمولية عالمية في القرن العشرين، أثبت فشله مراراً، لأنه يلغي المجتمع باسم تمثيله ويقمع التعدد باسم الوحدة.
لا يوجد شماتة في هذه الخلاصة، ولا استخفاف بتاريخ مليء بالتضحيات الفردية والأوهام الجماعية. فقد آمنت أجيال كاملة بالبعث كحلم وحدوي تحرري، قبل أن تكتشف أن الحزب لم يكن قادراً على تحويل هذا الحلم إلى مشروع حقيقي. عموماً، لا يعني اندثار البعث السوري نهاية القومية العربية، بل يفرض إعادة طرح أسئلة الوحدة والعدالة والتنمية خارج الأطر التي استهلكتها وأفرغتها من معناها. فالأحزاب تُخلّد بقدرتها على إنتاج سياسات عامة ومؤسسات قابلة للحياة وعلاقة صحية مع المجتمع، وحين تفشل في ذلك، يصبح اندثارها مجرد مسألة وقت.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة