مسودة الدستور الفلسطيني المؤقت: جدل قانوني وحقوقي ودعوة للمواطنين لإبداء الملاحظات


هذا الخبر بعنوان "مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين.. قراءة في أبرز البنود" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تفاوتت الآراء القانونية والحقوقية حول المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، حيث رأى البعض أنها تتطلب ضبطًا وتعديلًا للعديد من موادها، بينما اعتبر آخرون أنها تراعي الأسس الدستورية لدولة ديمقراطية.
وفي خطوة رسمية، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم الاثنين قرارًا رئاسيًا يقضي بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت، ودعوة المواطنين لتقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم عليها، وذلك وفقًا لما أوردته وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”.
وأفادت الوكالة بأن الرئيس عباس طلب إتاحة المسودة “للاطلاع العام عبر المنصة الإلكترونية المخصصة للجنة الوطنية لصياغة الدستور، وفي وسائل النشر التي تقررها اللجنة”. وأوضحت أن لجنة التنسيق والصياغة المنبثقة عن لجنة إعداد الدستور المؤقت ستتولى مهمة تسلم الملاحظات وتنظيمها ودراستها. وذكرت أنه “سيتم تصنيف الملاحظات إلى ملاحظات جوهرية تتعلق بالمبادئ الدستورية، وأخرى فنية مرتبطة بالصياغة والتنظيم، تمهيدًا لإدخال التعديلات اللازمة بما يحقق المصلحة العامة والتوافق الوطني”.
من جانبه، أشار عمر رحال، مدير مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية (أهلي)، إلى أن العديد من المواد الواردة في المسودة بحاجة إلى تعديلات أو إيضاحات “حتى لا تترك مساحة للتأويل والتفسير”.
وفي حديثه للأناضول، تطرق رحال إلى المادة رقم 2 من المسودة، معتبرًا أنها نُسخت من المادة 5 في القانون الأساسي الفلسطيني “دون تحديد ماهية النظام السياسي الذي نريد”. كما انتقد المادة 17 لعدم تحديدها مواعيد الانتخابات بدقة. ولفت رحال إلى أن المسودة لم تتناول مناهضة عقوبة الإعدام، رغم انضمام فلسطين لاتفاقيات دولية، منها البروتوكول الثاني الخاص بمناهضة عقوبة الإعدام، مؤكدًا أن “هذا يتناقض مع التزامات فلسطين”.
وبين رحال أن المسودة أكدت الحريات الأكاديمية دون التطرق للحريات النقابية. وعن المادة 82 التي تنص على أن الرئيس يوقّع ويصادق على المعاهدات الدولية، رأى رحال أن صلاحية المصادقة يجب أن تقع على عاتق مجلس النواب، بينما يقتصر دور الرئيس على التوقيع فقط. أما المادة 84، فاعتبر أنها بحاجة إلى “تعديل جوهري” لمنع منح الرئيس “صلاحية خطيرة” تخوّله حلّ مجلس النواب، مما قد يسمح للرئيس ودائرة ضيقة حوله بحل المجلس المنتخب شعبيًا “دون الرجوع لأحد”.
اتفق الخبير القانوني رائد بدوية مع رحال، مشيرًا إلى أن مسودة الدستور المؤقت “تتجاهل السؤال الأهم” المتعلق بالمرجعية الدستورية العليا للشعب الفلسطيني. وقال بدوية في حديث للأناضول، إن إعلان المسودة “كان يفترض أن يشكّل لحظة دستورية تاريخية، تُنهي مرحلة السلطة وتؤسس لمرحلة الدولة”.
واستدرك بدوية قائلًا: “لكن القراءة المتأنّية للنص تكشف مفارقة جوهرية، وهي أن المسودة تتحدث باسم دولة قائمة، لكنها تتجاهل السؤال المركزي الذي يسبق أي دستور فلسطيني حقيقي: من هي المرجعية الدستورية العليا للشعب الفلسطيني؟”. واعتبر أن المسودة “لا تقدم إجابة واضحة عن العلاقة بين ثلاثة مكوّنات أساسية: دولة فلسطين، ومنظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية”، مضيفًا أن “هذه هي العقدة البنيوية للنظام السياسي الفلسطيني منذ اتفاق أوسلو”.
يُذكر أن اتفاق أوسلو، المعروف بـ”إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي”، وُقع في سبتمبر/ أيلول 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة الأمريكية واشنطن. وينص الاتفاق على إنهاء عقود من النزاع وتحقيق تسوية سلمية شاملة، تبدأ بإقامة حكم ذاتي (السلطة الفلسطينية) مؤقت لخمس سنوات، ينتهي عام 1999 بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وفي هذا السياق، أكد بدوية أنه إذا لم يُحسم في نصوص الدستور أن “المنظمة هي المرجعية العليا”، وأن “المجلس الوطني هو السلطة التأسيسية”، وأن الحكومة مجرد أداة تنفيذية للدولة التي تمثلها المنظمة، فسنكون أمام دستور “يشرعن واقع السلطة بدل أن يؤسس لواقع الدولة”.
نبه بدوية إلى أن المسودة تصف فلسطين بأنها “دولة تحت الاحتلال”، “لكنها لا تبيّن كيف ستُدار دولة تحت الاحتلال في ظل وجود سلطة نشأت أصلاً لإدارة الحكم الذاتي المحدود”. وأضاف أن “المسودة لا تحدد أيضًا مصير اتفاقات أوسلو، ولا العلاقة بين القانون الدولي والواقع الانتقالي، ولا آليات تحويل الاعتراف الدولي بالدولة إلى ممارسة سيادية فعلية”.
وتعترف بدولة فلسطين 160 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، بحسب الخارجية الفلسطينية، وقد أعلنت أحدث الدول اعترافها العام الماضي على خلفية جهود إنهاء “الصراع” الإسرائيلي الفلسطيني، ومن بينها فرنسا وبريطانيا.
كما اعتبر بدوية أنه كان يفترض أن يعالج الدستور أسئلة كبرى مثل: “من يملك حق إعلان الدولة؟ من يفاوض باسمها؟ ومن يقرر السلم والحرب؟”. ولفت إلى أن “غياب الإجابة الصريحة عن هذه الأسئلة يجعل النص أقرب إلى دستور سلطة موسّعة، منه إلى دستور دولة تحرُّر وطنيّ”.
على خلاف سابقيه، رأى أحمد الأشقر، أستاذ القانون الدستوري في الجامعة العربية الأمريكية، أن مضمون المسودة يراعي كافة الأسس الدستورية للدولة الديمقراطية. وقال في حديث للأناضول، إن المسودة تناولت كافة الحقوق والحريات المنصوص عليها في أغلب المواثيق الدولية، مشيرًا إلى أن تطبيق الدستور سيؤدي لحماية حقوق المواطنين وتحقيق التوازن بين السلطات الثلاث.
لكنه استدرك متحدثًا عن “ملاحظات” تتعلق بالهيكلة الدستورية، وتغطية بعض جوانب القصور في التنظيم الدستوري لبعض الحقوق والحريات، وإزالة المخالفات التي قد تؤدي لهدر القيمة الدستورية للكثير من المسائل المتصلة بعلاقة المؤسسات الدستورية فيما بينها. وأضاف: “من الناحية الوطنية، نصّ الدستور على أن القدس عاصمة دولة فلسطين ولم يحدد الغربية أو الشرقية، ولم يتناول الحدود، فيكون صالحًا لكل زمان يستطيع فيه الفلسطينيون بسط سيطرتهم على أرضهم”.
وشدد الأشقر على أهمية توقيت إصدار المسودة، ذلك أن “المعركة القانونية بين إسرائيل والفلسطينيين مستعرة، في ظل إلغاء حكومة الاحتلال القوانين المتعلقة بحماية الأرض الفلسطينية من التهويد والتسريب”. وختم بالتأكيد أن “مجرد إقرار الفلسطينيين الدستور عبر استفتاء شعبي شامل في الداخل والشتات، يؤدي لممارسة حقهم في تقرير المصير ورفض إجراءات الاحتلال عبر الواقع الذي تفرضه إسرائيل أو البلطجة القانونية”.
ووفقًا للتقديرات السكانية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد الفلسطينيين في العالم منتصف العام 2025 نحو 15.2 مليون نسمة، يعيش نصفهم تقريبًا خارج فلسطين التاريخية. ففي دولة فلسطين قُدّر عدد السكان بحوالي 5.5 ملايين نسمة، وفي الشتات تشير التقديرات إلى وجود نحو 7.8 ملايين، منهم 6.5 ملايين يقيمون في الدول العربية. أما داخل إسرائيل، فتتجاوز نسبة الفلسطينيين 20 بالمئة من عدد السكان البالغ أكثر من 10 ملايين نسمة، ويقولون إنهم يعانون من تضييق وتهميش واستهداف تمارسه الحكومات المتعاقبة.
وفي عام 1948، أُقيمت إسرائيل على أراضٍ احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجّرت مئات آلاف الفلسطينيين، ثم احتلت تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية، وترفض الانسحاب وقيام دولة فلسطينية. ومنذ بدئها حرب الإبادة على قطاع غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كثفت إسرائيل اعتداءاتها في الضفة الغربية، بما في ذلك القتل والاعتقال والتهجير والتوسع الاستيطاني، في مسار يرى فلسطينيون أنه يمهد لضم الضفة الغربية رسميًا. وقد أسفرت الاعتداءات بالضفة عن استشهاد ما لا يقل عن 1112 فلسطينيًا، ونحو 11 ألفًا و500 مصاب، إضافة إلى اعتقال أكثر من 21 ألفًا.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة