صدمة الكهرباء في سوريا: 800 ضعف زيادة في التعرفة.. كشف الأسباب الحقيقية وأخطاء التنفيذ


هذا الخبر بعنوان "سياسة تسعير الكهرباء في سوريا: الأسباب الحقيقية خلف التغيير الجذري" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت سوريا تحولاً جذرياً في سياسة تسعير الكهرباء، تمثل بارتفاع التعرفة بنحو 800 ضعف، وهي خطوة أثارت جدلاً واسعاً واستياءً شعبياً. ورغم الاعتقاد السائد بأن هذا الرفع يهدف بالدرجة الأولى إلى فتح المجال أمام الاستثمار الخاص، إلا أن المعطيات المتوفرة تشير إلى تشابك معقد من الأسباب السياسية والاقتصادية والتقنية التي تقف وراء هذا القرار. يستعرض هذا المقال المعلومات المتاحة حول آليات تمويل قطاع الكهرباء في عهد النظام السابق، والأسباب التي أدت إلى التحول الحتمي في هذه السياسة، بالإضافة إلى الإشكاليات الكبيرة التي رافقت تنفيذ هذه الإصلاحات.
قبل العام 2024، كان قطاع الكهرباء السوري يعتمد بشكل شبه كامل على واردات النفط الإيراني، بالإضافة إلى كمية محدودة من الغاز المستخرج من حقول المنطقة الوسطى، والتي لم تتجاوز 6 إلى 7 ملايين متر مكعب يومياً. تشير المعلومات المتوفرة إلى وصول ثلاث ناقلات نفط شهرياً إلى مصب بانياس، وكانت آلية التمويل كالتالي:
بدلاً من ذلك، كانت الناقلتان المدفوعتان تُكرَّران في معملي حمص وبانياس، وتُباع المشتقات النفطية الناتجة (فيول، مازوت، بنزين) في الأسواق المحلية والسوداء، بهدف تأمين سيولة كبيرة للمصرف المركزي والحكومة. أما توليد الكهرباء، فكان يتم باستخدام الحد الأدنى من الفيول الثقيل المتبقي، مما أدى إلى تراجع تدريجي في خدمة التيار الكهربائي، حتى وصلت إلى 4 أو 5 ساعات يومياً في الأشهر الأخيرة من عمر النظام السابق. يتضح من ذلك أن الكهرباء في سوريا لم تكن مجانية لكون الدولة منتجة أو غنية، بل لأن تكلفتها الفعلية كانت تُدفع عبر موارد سياسية خارجية، بينما كان النقد الأجنبي الوارد من النفط المكرر يُستخدم لأغراض أخرى.
مع سقوط النظام السابق، توقفت الواردات النفطية الإيرانية بالكامل. فجأة، وجدت الحكومة الجديدة نفسها أمام قطاع كهرباء يتكبد خسائر تقدر بملياري دولار سنوياً، ويعاني من فاقد في الشبكات يتجاوز 30% بسبب التهريب والبنية التحتية المدمرة. علاوة على ذلك، كان الكيلوواط يُباع بسعر 1 سنت بينما تبلغ كلفته الفعلية 15 سنتاً. في هذه المرحلة، لم يكن أمام الحكومة خيار الاستمرار في سياسة الدعم الشامل، ليس لعدم الرغبة، بل لعدم وجود مصدر تمويل بديل بالحجم نفسه. لقد انهار النموذج القائم على النفط المجاني لأنه كان مرتبطاً بكيانات سياسية لم تعد موجودة على الأرض السورية.
في سياق سعيها لإعادة بناء موارد الدولة، انتقلت الحكومة الجديدة إلى سياسة تسعير تقوم على فرضية أن أي سلعة تقدمها الدولة يجب أن تعكس قيمتها الحقيقية في السوق. هذا التحول ليس قراراً سورياً خالصاً، بل هو شرط ضمني أو صريح من المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة التي تتعامل مع الحكومة الجديدة. يقوم المنطق الاقتصادي وراء هذا التوجه على عدة اعتبارات:
لكن الاعتراف بضرورة الإصلاح الاقتصادي لا يعني إغفال الإشكاليات الكبيرة التي رافقت تطبيق هذه السياسة. تشير المعطيات إلى أن الحكومة الجديدة ارتكبت أخطاء في توقيت وآلية التنفيذ، يمكن تلخيصها بثلاث نقاط رئيسية:
هذا التسلسل الزمني المقلوب هو ما حوّل إصلاحاً ضرورياً إلى أزمة ثقة حادة بين المواطن والحكومة.
إلى جانب أخطاء التوقيت والتنفيذ، هناك قلق شعبي عميق ومشروع حول وجهة الإيرادات الجديدة. يمتلك الشارع السوري ذاكرة طويلة عن كيفية إنفاق عائدات النفط والمشتقات في العقود الماضية: مكاتب فارهة، أساطيل سيارات مصفحة، بيروقراطية منتفخة، وفساد منظم. المواطن الذي يدفع اليوم ثمناً حقيقياً للكهرباء له كل الحق في أن يسأل: هل ستذهب هذه الأموال إلى بناء محطات جديدة وترميم الشبكات وتأمين التيار 24 ساعة، أم سنشهد مجرد إعادة إنتاج نمط الريعية السابق بأشخاص جدد؟ إن غياب الشفافية في إيرادات قطاع الكهرباء وخطة إنفاقها يغذي هذا القلق ويضاعف حالة الاحتقان الشعبي.
ما تشهده سوريا في قطاع الكهرباء هو تحول من نموذج تمويل سياسي خارجي (النفط الإيراني) إلى نموذج تسعير محلي يعكس الكلفة الحقيقية. كان هذا التحول حتمياً بعد انهيار النظام السابق وتوقف التدفقات النفطية، وهو ينسجم مع توجهات المؤسسات المالية الدولية نحو إلغاء الدعم الشامل واستبداله بسياسات دعم موجه. لكن الضرورة الاقتصادية لا تبرر الأخطاء التنفيذية. لقد كان رفع السعر 800 ضعف قبل وصول العدادات، وقبل تحسين الخدمة، وقبل تعديل الرواتب، قراراً متسرعاً أدى إلى نتائج عكسية على مستوى الثقة الشعبية. الاختبار الحقيقي للحكومة الجديدة ليس في قدرتها على فرض التسعير الجديد، بل في قدرتها على:
بدون هذه الخطوات، سيظل قرار رفع التسعير معلقاً بين كونه ضرورة اقتصادية قاسية من جهة، وخطأ سياسياً وتنفيذياً مكلفاً من جهة أخرى. (زمان الوصل)
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة