معرض الكتاب في سوريا: مرآة لأزمة الثقافة والوعي في عصر المعلومات


هذا الخبر بعنوان "سوريا.. ومشكلة ثقافة" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مقال رأي بقلم نضال الخضري، يبرز تناقض لافت في المشهد الثقافي السوري، حيث غابت الثقافة الحقيقية عن معرض الكتاب، على الرغم من وفرة العناوين المعروضة. فبعيداً عن الانطباعات السريعة والفيديوهات التي وثقت إشكاليات متعددة، يؤكد الكاتب أن غياب الثقافة سبق المعرض نفسه. لقد تحول الورق الذي يحمل إرث المعرفة إلى ما يشبه «ثورة معلومات» مشوهة في بلد أحوج ما يكون إلى نسق معرفي متماسك ومختلف.
إن أزمة الكتاب ليست وليدة اليوم، لكن «هدر المعلومات» الهائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد غير المسألة كلياً. يمكن رصد هذا الاهتزاز المعرفي بوضوح في الانفجار المعلوماتي الذي يعقب كل اختبار اجتماعي نعيشه. ورغم أن «المعرفة الإلكترونية» قد أثرت في العالم بأسره وغيرت من أدوات الثقافة، إلا أنها في مجتمعنا السوري قد غيرت العلاقة بين الثقافة والناس جذرياً، إذ أصبح «خلق المعرفة» مهمة شائعة يمارسها الجميع، فانتقلت من البناء المعرفي الرصين إلى «الهدر» المعرفي العشوائي.
لم تكمن المشكلة في التقنيات الحديثة لنقل المعلومات بحد ذاتها، بل في البنية الثقافية التي وجدت في هذه التقنيات «سلاحاً جديداً» للتخلص من عبء البناء الثقافي. فثورة الاتصالات والتدفق الهائل للمعلومات حوّلت المنصات الرقمية إلى ساحات صخب، تتجاور فيها الشائعة مع التحليل، والانطباع الشخصي مع المعلومة الموثقة، دون وجود مرجعية نقدية قادرة على الفرز والتمييز. ونتيجة لذلك، تراجعت قيمة التخصص، وتقدمت ثقافة الرأي السريع على حساب الفهم العميق والتحليل المتأني.
في معرض الكتاب، تجلت هذه الأزمة بوضوح رمزي في الأجنحة المزدحمة والعناوين الكثيرة، لكن الأسئلة الجوهرية بقيت معلقة: ما الذي نقرأه؟ ولماذا؟ ومن يحدد أولوياتنا المعرفية؟ فالمعرض ليس مجرد سوق للكتب؛ بل هو مرآة لواقع ثقافي أوسع. وحين يغيب النقاش في المضامين، ويحل محله التركيز على الأرقام والحضور، فإننا نكون أمام حدث استهلاكي أكثر من كونه مشروعاً ثقافياً حقيقياً.
لم يخسر الكتاب في سوريا معركته أمام الشاشة فقط، بل خسرها أيضاً أمام التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة. لقد انتقلنا من ثقافة السؤال والبحث إلى ثقافة الإجابة الجاهزة، ومن التراكم المعرفي إلى رد الفعل اللحظي. وهذا التحول لم يصنعه «فيسبوك» أو «تيك توك»؛ بل كشفه وأظهره بوضوح. فعندما تصبح المعلومة سلعة سريعة التداول، يفقد النص الطويل جاذبيته، وينظر إلى التحليل بوصفه ترفاً نظرياً، فتتراجع القراءة كفعل تأملي عميق، لتحل محلها متابعة متقطعة لا تبني وعياً متماسكاً.
إن إعادة الاعتبار للثقافة تتطلب إعادة تعريف دورها في الحياة العامة، فهي ليست نشاطاً جانبياً، بل شرط أساسي لتكوين مواطن قادر على الفهم والمساءلة. وهذا يتطلب إصلاحاً تربوياً يعيد الاعتبار للقراءة النقدية، ويشجع على البحث والتحقق بدلاً من الحفظ والتلقين. كما يحتاج الأمر إلى سياسات نشر عادلة تضمن تنوع الأصوات وتحمي حرية التعبير ضمن إطار قانوني واضح.
سوريا بحاجة ماسة إلى مشروع ثقافي شامل يخلق مساحة يمكن فيها تفكيك السرديات المتصارعة، وبناء لغة مشتركة تعيد ترميم الثقة. والكتاب، سواء بشكله المادي أو كصفحة على الإنترنت، هو أداة قوية لإعادة ترتيب العالم في أذهاننا. وإذا كان معرض الكتاب قد كشف هشاشة المشهد الثقافي، فإنه في الوقت نفسه يذكر بإمكانية التغيير. فالسؤال الحقيقي ليس كم كتاباً طُبع؛ بل أي وعي نريد أن نبني؟ وبين الهدر والبناء المعرفي، تقف مسؤولية جماعية لا يمكن تأجيلها.
ثقافة
ثقافة
سوريا محلي
سياسة