سوريا ما بعد التوحيد: تحديات الاقتصاد وبناء المؤسسات في عهد الرئيس الشرع


هذا الخبر بعنوان "تحديات المرحلة التالية بعد توحيد الدولة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يصف عبد الرحمن الحاج الوضع في سوريا بحلول نهاية عام 2024 بأنه كان بلدًا منهكًا على وشك الانهيار الشامل. فقد كانت المدن تعاني دمارًا واسعًا، وملايين اللاجئين والنازحين يتوزعون بين المخيمات ودول الجوار، فيما البنية التحتية متهالكة والمؤسسات الحكومية شبه مشلولة. كما كانت العلاقات الدولية مقطوعة أو متدهورة بشدة، في ظل عقوبات اقتصادية قاسية أثرت على الدولة والمجتمع على حد سواء. كانت البلاد مقسمة عمليًا إلى مناطق نفوذ، وتنتشر فيها أربعة جيوش أجنبية على الأرض السورية، بالإضافة إلى الميليشيات والسلاح في كل مكان. تفشى اقتصاد الجريمة وتصنيع وتجارة الكبتاغون الذي تحول إلى مورد عابر للحدود وتهديد أمني وسياسي لدول الجوار والمحيط الإقليمي، مع وجود أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة.
إلى جانب هذا الإرث الثقيل، وجدت السلطة الجديدة نفسها أمام بيئة إقليمية متناقضة. فقد سعت بعض الأطراف، بدرجات متفاوتة، إلى عرقلة استقرار سوريا أو إبقائها في حالة من الهشاشة الدائمة، وفي مقدمة هذه الأطراف كانت إسرائيل وإيران. كما ترددت أطراف أخرى في احتضان التغيير الجذري الذي طرأ بسقوط نظام الأسد وظهور نظام جديد.
بعد عام واحد من دخول الرئيس الشرع إلى دمشق في 8 ديسمبر 2024، اتضحت أولوياته للمرحلة الأولى من الحكم. ركز الرئيس على ثلاثة ملفات مترابطة: توحيد البلاد، تعزيز الأمن، وتسوية العلاقات الدولية بهدف رفع العقوبات وتحويل البيئة الإقليمية إلى بيئة مستقرة تقوم على احترام السيادة وعدم تصدير الأزمات. هذه الملفات كانت شروطًا أساسية لأي انتقال لاحق نحو التعافي والبناء، إذ لا يمكن الحديث عن اقتصاد أو مؤسسات في ظل الانقسام، أو غياب الأمن، أو العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية القاسية. وبنهاية عامه الأول في الحكم، يُمكن القول إن الرئيس الشرع حقق نجاحًا كبيرًا في معالجة هذه الملفات الثلاثة، حيث تم إنجاز توحيد البلاد فعليًا، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الأمني، وإعادة فتح قنوات العلاقات الدولية، ورفع جميع العقوبات. يُعد هذا إنجازًا باهرًا في وقت قياسي مقارنة بتجارب الانتقال السياسي الأخرى.
مع تحقق هذه الشروط، أصبح الانتقال إلى المرحلة التالية أمرًا حتميًا، وهي مرحلة التركيز على الاقتصاد وإطلاق عجلة التنمية وبناء مؤسسات الدولة.
على الصعيد الاقتصادي، أتاح توحيد البلاد للدولة السيطرة على الموارد المالية الأساسية، خاصة خزان الإنتاج الزراعي في منطقة الجزيرة السورية، بما في ذلك القمح والقطن. كما فُتحت فرص استثمار حقيقية في قطاعات متعددة بعد سنوات من الانكماش والعزلة. ومع ذلك، يظل القطاع المصرفي هو الحلقة الأضعف في هذا المسار. فالبنوك السورية تحتاج إلى وقت وجهد للامتثال للقواعد والمعايير الدولية، وضمان الشفافية، والالتزام الصارم بمتطلبات مكافحة غسيل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. لا يزال تدفق الأموال من وإلى سوريا يواجه عوائق تقنية وقانونية، بسبب بنية تحتية مصرفية متقادمة وإطار قانوني يحتاج إلى تحديث شامل. ورغم ذلك، يُفترض، وفق المسار المعلن، أن تُعالج هذه الإشكاليات بنهاية العام الجاري، وأن يبدأ القطاع المصرفي بالعمل التدريجي والمنتظم. لكن تحرير القطاع المصرفي أو إعادة تفعيله لا يمكن أن يكون خطوة معزولة؛ فالتجارب المقارنة تُظهر أن تدفق الأموال، في غياب رؤية تنموية واضحة، قد يتحول إلى عبء أو مصدر اختلال بدلاً من أن يكون أداة للتعافي. لذا، من الضروري ربط إعادة تفعيل البنوك بخطة تنمية شاملة تحدد أولويات الاستثمار، وتربط التمويل بإعادة الإعمار، وخلق فرص العمل، وبناء القطاعات الإنتاجية. فالتنمية لا تتحقق تلقائيًا بتوفر المال، بل تتطلب تخطيطًا وحوكمة وربطًا واضحًا بين الموارد والنتائج، وهو ما يدركه الرئيس تمامًا.
أما بناء مؤسسات الدولة فيمثل التحدي البنيوي الأكبر للرئيس الشرع، حيث يسعى إلى إعادة تشكيل الدولة العميقة وأنظمتها، بينما لا يزال استكمال تشكيل السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) عملًا غير منجز. يجب أن تبدأ هذه العملية بتفعيل دور مجلس الشعب كسلطة تشريعية فاعلة، وتشكيل المحكمة العليا، وإعادة تشكيل وتفعيل مجلس الدولة. بالتوازي، يجب العمل على ترسيخ استقلال القضاء بشكل كامل عن الجهاز التنفيذي، ضمن حدود الإعلان الدستوري، بحيث يكون مجلس القضاء الأعلى هو صاحب السلطة الكاملة على شؤون السلطة القضائية، بينما تقتصر مهام وزارة العدل على الجوانب الإدارية والتنظيمية المرتبطة بالدولة والجهاز التنفيذي. تُعد السلطتان التشريعية والقضائية الأدوات الرئيسية لبناء مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، يُحسب لوزارة العدل نجاحها في الفترة الماضية في هيكلة الجهاز القضائي وتخليصه من إرث نظام الأسد، تمهيدًا لتسليمه إلى مجلس القضاء الأعلى بعد استكمال عملية الإصلاح وترسيخ استقلاله كأحد أعمدة الدولة الحديثة.
يمثل التطوير الإداري تحديًا رئيسيًا يواجهه الرئيس، حيث ورثت الدولة الجديدة مؤسسات حكومية تعاني من تضخم في أعداد الموظفين بما يفوق الحاجة الفعلية بأكثر من الضعف، مع مستويات متدنية من الكفاءة والتأهيل، خاصة في التعيينات التي تمت بعد عام 2011. كما تعاني هذه المؤسسات من اختلالات ديموغرافية واضحة لا تعكس التوزع السكاني السوري جغرافيًا ولا تنوعه. يضاف إلى ذلك أن البنية التحتية الإدارية، من مبانٍ وتجهيزات وأنظمة عمل، إما مدمرة أو متقادمة لدرجة أنها لم تعد صالحة منذ ما يقارب عقدين. أما البيروقراطية، وهي المشكلة الأكثر استعصاءً، فآليات إنجاز المعاملات وإنتاج الوثائق لا تزال قديمة، طويلة ومعقدة، وتفتقر إلى الرقابة القانونية الصارمة، مما يحولها غالبًا إلى عائق أمام المواطنين، وستشكل عقبة حقيقية أمام عجلة التنمية، مما قد يضطر السلطات لتجاوزها أو تجاهلها لتحقيق إنجازات ملموسة. تحديث الإدارة البيروقراطية لا يقتصر على الرقمنة أو تبسيط الإجراءات، وهي أمور جوهرية، بل يشمل أيضًا بناء ثقافة وظيفية جديدة. فجيل واسع من العاملين الذين أُدمجوا في مؤسسات الدولة دون خبرة سابقة في العمل الحكومي، يحتاج إلى تعلم مفاهيم الامتثال، وآليات عمل الدولة، ومنطق المصلحة العامة، وقيم الحكم الرشيد. هذه الثقافة غابت عن سوريا منذ خمسينيات القرن الماضي، مع تحول الدولة إلى أداة حزبية في ظل حكم البعث.
في الختام، يشكل ملفا الاقتصاد وبناء مؤسسات الدولة منظومة واحدة مترابطة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر أو تقديمه عليه. فكل منهما يمثل شرطًا ونتيجة في آن واحد، ويتبادلان التأثير في حلقة متصاعدة: اقتصاد بلا مؤسسات يؤدي إلى الفوضى، ومؤسسات بلا اقتصاد تؤدي إلى الشلل. لذلك، يتطلب النجاح تركيز العمل فيهما بشكل متوازٍ ومتوازن، دون افتراض أن أحدهما مدخل حصري للآخر. ولا شك أن التقدم الكامل في هذين الملفين يرتبط باستحقاقات سياسية وأمنية قائمة، في مقدمتها ضمان التنفيذ الكامل للاتفاق مع تنظيم "قسد"، وتوقيع اتفاق أمني يمنع الانتهاكات الإسرائيلية مستقبلًا، وإنهاء ملف السويداء. ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول وجود هذه الملفات المفتوحة إلى سبب لتعطيل العمل الاقتصادي والمؤسسي، بل على العكس، يجب أن يكون دافعًا لتسريعه، بوصفه الطريق الوحيد لترسيخ الاستقرار وتحويله من حالة مؤقتة إلى واقع مستدام.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة