الصدع الأطلسي يتسع: خلافات استراتيجية عميقة بين أمريكا وأوروبا ودعوات لرأبها في ميونيخ


هذا الخبر بعنوان "أمريكا وأوروبا… دعوات لرأب الصدع بعد خلافات إستراتيجية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يبدو الخلاف المتنامي بين الولايات المتحدة وأوروبا حول عدد من القضايا، والذي شهد تصاعداً دراماتيكياً مؤخراً، مؤشراً على تباعد في السياسات والرؤى تجاه مسائل بينية ودولية حساسة. يأتي هذا التباعد بعد عقود طويلة من تحالف استراتيجي وأمني ودفاعي وسياسي نشأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، واستمر صامداً في وجه العديد من العواصف والخلافات.
لقد اتسعت الهوة بين الجانبين بشكل ملحوظ، لا سيما فيما يتعلق بقضايا مثل الحرب الأوكرانية، ومسألة غرينلاند، والرسوم الجمركية المتبادلة، وملفات الدفاع المشترك، وصولاً إلى اختلاف وجهات النظر حول النظام العالمي القائم وسبل تطويره. وفي هذا السياق، شهد مؤتمر ميونيخ للأمن، دعوات أوروبية ملحة لرأب الصدع بين واشنطن وبروكسل.
وبحسب ما نقلت وكالة فرانس برس، فقد دعا الأوروبيون في اليوم الأول من مؤتمر ميونيخ للأمن الولايات المتحدة إلى تسوية الخلافات والعودة إلى التعاون، وحثوا "الأصدقاء الأمريكيين" على الكف عن "انتقاد" القارة العجوز، وعلى إحياء الثقة بين ضفتي الأطلسي.
وفي كلمة ألقاها بالإنكليزية خلال المؤتمر السنوي، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: "تم انتقاد أوروبا باعتبارها كياناً عجوزاً، بطيئاً، ومجزأ، ومهمشاً بفعل التاريخ، باعتبارها اقتصاداً مفرط التنظيم وخاملاً، ينأى بنفسه عن الابتكار.. باعتبارها مجتمعاً يعاني هجرات همجية تُفسد تقاليده العريقة". واعتبر مراقبون أن هذا التصريح جاء رداً على خطاب ألقاه نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس خلال نسخة العام الماضي من المؤتمر نفسه. وطالب ماكرون بضرورة التعامل مع أوروبا "كمثال" يُحتذى به والكف عن "تشويه صورتها".
من جانبه، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، متحدثاً بالإنكليزية أيضاً في افتتاح المؤتمر الذي شهد مشاركة أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة: "فلنصلح ولنحيي معاً الثقة بين ضفتي الأطلسي"، مضيفاً أن "في عصر التنافس بين القوى الكبرى، لن تكون الولايات المتحدة قوية بما يكفي لكي تعتمد على نفسها حصراً".
وتحدث الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب قائلاً: "ثمة مسائل يمكننا العمل عليها مع الأمريكيين، كحلف شمال الأطلسي، والدفاع، والتكنولوجيا، والمعادن، وبالتالي ثمة أشياء كثيرة يمكننا القيام بها، مع وجود اختلاف ودي حول الأمور المتعلقة بالاتحاد الأوروبي أو المؤسسات الدولية، والنظام الدولي الليبرالي والتغير المناخي". أما الأمين العام لحلف شمال الاطلسي مارك روته فرأى أن وجود "أوروبا قوية داخل ناتو قوي يعني أن الصلة بين ضفتي الأطلسي ستكون أقوى من أي وقت مضى".
وأشارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى ضرورة عمل الولايات المتحدة وأوروبا معاً في مجالات الأمن والاقتصاد، داعية إلى استراتيجية أوروبية أمنية جديدة. من جهته، حث رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أوروبا على الحد من اعتمادها على الولايات المتحدة على الصعيد الدفاعي، وقال: "أتحدث عن رؤية للأمن الأوروبي وعن قدر أكبر من الاستقلالية الأوروبية" دون أن يعني ذلك انسحاباً أمريكياً "بل تلبية لنداء يدعو إلى تقاسم أكبر للأعباء ويعيد صياغة الروابط".
وفي مقابل هذه الدعوات الأوروبية، حاول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم السبت، أن يبعث برسائل طمأنة للحلفاء الأوروبيين من مؤتمر ميونيخ للأمن، مؤكداً أن "الولايات المتحدة وأوروبا تنتميان إلى بعضهما البعض، وأن واشنطن لا تهدف ولا ترغب في إنهاء التحالف عبر الأطلسي".
وانطلق روبيو خلال كلمته في مؤتمر ميونيخ للأمن من تاريخ المؤتمر الذي يعود إلى عام 1963، قائلاً: "نجتمع هنا اليوم كأعضاء في تحالف تاريخي، تحالف أنقذ العالم وغّير مجراه"، مضيفاً: "إن نهاية الحقبة عبر الأطلسي ليست هدفنا ولا رغبتنا، وبالنسبة لنا كأمريكيين قد يكون موطننا في النصف الغربي من الكرة الأرضية، لكننا سنبقى دائماً أبناءً لأوروبا".
وأشار روبيو إلى أن الولايات المتحدة "ترسم مسار قرن جديد من الازدهار" لكنها ترغب في سلوك هذا الطريق بالشراكة مع أوروبا، موضحاً أن الولايات المتحدة تريد إعادة تنشيط التحالف مع أوروبا انطلاقاً من إدراك مشترك بأن ما أصاب المجتمعات الغربية ليس مجرد مجموعة من السياسات السيئة بل حالة من اليأس والرضا عن الذات.
ورغم هذا الخطاب الودي، تبدو الخلافات أعمق حول العديد من القضايا الجوهرية، حيث تبرز قضية الحرب الأوكرانية الروسية والرؤى المتباعدة بين واشنطن التي قد ترغب في حل سريع ولو على حساب تنازلات تقدمها كييف لمصلحة روسيا، بينما يصر الأوروبيون على استمرار دعم أوكرانيا عسكرياً ومادياً في مواجهة روسيا.
القضية الثانية التي صعّدت من حدة الخلاف بين الجانبين تمثلت في مسألة غرينلاند التي لوّح ترامب بالاستحواذ عليها، وهو ما رفضته الدول الأوروبية واعتبرته ضربة للنظام الدولي القائم. كما دخل الجانبان في معركة رسوم جمركية متبادلة أثرت على التبادل الاقتصادي بينهما.
ويضاف إلى هذه الخلافات التجاذب حول وضع حلف الناتو، حيث يصر ترامب على ضرورة تحمل أوروبا عبئاً أكبر في الدفاع عن نفسها، بينما تصر الدول الأوروبية على التمسك بالهيكل القائم وفق نفس المعايير والواجبات. وتبرز أيضاً النظرة المتباينة إلى المنظمات الدولية، وتحديداً الأمم المتحدة، في ظل رغبة ترامب ومحاولاته إنشاء هياكل موازية تفرغ المنظمة الأممية من مضمونها ومسؤولياتها.
كل هذه النقاط وتراكمها وتصاعد نبرة النقاشات حولها تثير، بحسب المتابعين، تساؤلات حول وضع العلاقات الأمريكية الأوروبية الحالي، وهل تمر بمجرد أزمة عابرة أم إنها دخلت مسار الخلافات الاستراتيجية التي تهدد مستقبلها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة