تحولات السيطرة في شمال شرق سوريا: تصاعد خطاب الكراهية وتحديات التعايش الاجتماعي


هذا الخبر بعنوان "إعادة رسم السيطرة تشعل خطاب الكراهية شرقي سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في أعقاب التطورات الميدانية الأخيرة التي شهدها شمال شرق سوريا، وتحديدًا مع توسع نفوذ الحكومة السورية على مساحات واسعة كانت تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، لوحظ تصاعد ملحوظ في ظاهرة خطاب الكراهية بين المكونين العربي والكردي على منصات التواصل الاجتماعي. تأتي هذه الظاهرة في خضم تحولات سياسية وأمنية دقيقة تؤثر بشكل مباشر على المزاج العام للسكان في المنطقة.
يُعزى هذا التصاعد في الخطاب العدائي إلى سياق إعادة تشكيل خريطة السيطرة في محافظة الحسكة وأجزاء أخرى من شمال شرق سوريا. جاء ذلك بعد مواجهات تلتها تفاهمات أدت إلى انتشار قوات الحكومة السورية في مواقع كانت تديرها «قسد». وقد فتحت هذه التطورات الباب أمام نقاشات حادة تتعلق بالشكل المستقبلي للإدارة، ومصير المؤسسات المحلية، ومستقبل العلاقات بين المكونات المجتمعية المختلفة.
هذا التوتر السياسي ينعكس اجتماعيًا على أرض الواقع، حيث تسير الأوضاع وفق ترتيبات أمنية جديدة. وفي حين تتحدث الجهات الرسمية عن استعادة مؤسسات الدولة لدورها تدريجيًا في المنطقة، يبدي بعض السكان مخاوفهم من تداعيات هذه المرحلة الانتقالية. وقد انتقلت حالة الاستقطاب هذه إلى الفضاء الرقمي، حيث تداول المستخدمون منشورات وتعليقات ذات مضامين تحريضية، اتخذ بعضها طابعًا قوميًا حادًا.
رصدت عنب بلدي خلال الأسابيع الماضية تفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي تضمنت عبارات تخوين وتعميم بحق مكونات كاملة، سواء من العرب أو الكرد، وذلك على خلفية المواقف السياسية من التطورات الأخيرة. يتغذى جزء من هذا الخطاب على مخاوف حقيقية لدى السكان، لكنه ينزلق أحيانًا نحو تحميل جماعات سكانية بأكملها مسؤولية خيارات سياسية أو عسكرية لا تمثل بالضرورة جميع أفرادها.
إن استمرار هذا المسار قد يترك آثارًا عميقة على النسيج الاجتماعي في منطقة عُرفت تاريخيًا بتنوعها القومي والديني، وبتداخلاتها العشائرية والعائلية بين العرب والكرد، بالإضافة إلى مكونات أخرى.
سامي المحمد، أحد أبناء مدينة الحسكة، صرح لعنب بلدي بأن ما يشهده على مواقع التواصل الاجتماعي «لا يشبه الحياة اليومية بين الناس». وأضاف: «نحن في الأسواق والأحياء نعيش معًا منذ عقود. لدي أصدقاء من الكرد، ولم نسأل بعضنا يومًا عن الموقف السياسي قبل أن نتعامل. الخلافات السياسية موجودة في كل مكان، لكن تحويلها إلى عداوة بين الجيران أمر خطير».
ويرى سامي أن بعض الخطابات المتداولة «تعتمد على التعميم»، مؤكدًا أن «تحميل أي مكون كامل مسؤولية قرارات جهة سياسية أو عسكرية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام». ودعا إلى «التفريق بين الخلاف السياسي والعداء المجتمعي»، مشددًا على أن «أبناء الحسكة بمختلف انتماءاتهم يدفعون ثمن أي توتر، سواء اقتصاديًا أو أمنيًا»، وأن الأولوية اليوم يجب أن تكون «للاستقرار وإعادة ترتيب شؤون الناس المعيشية».
من جانبه، قال داديار علي، وهو ناشط مدني من المجتمع الكردي في الحسكة، إن حالة القلق التي يعيشها الكثيرون بعد التطورات الأخيرة «مفهومة»، لكنها «لا تبرر الانزلاق إلى خطاب كراهية». وأوضح داديار، في حديثه إلى عنب بلدي، أن «هناك مخاوف لدى شرائح من الكرد بشأن مستقبل بعض المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية، كما أن لدى شرائح من العرب ملاحظات وانتقادات على تجربة الإدارة السابقة. هذه نقاشات مشروعة، لكن يجب أن تبقى في إطار سياسي وقانوني».
وأضاف: «عندما نبدأ باستخدام لغة التخوين أو التشكيك في انتماء الآخر، نكون قد تجاوزنا حدود النقد إلى التحريض. هذا يهدد الجميع، لأن أي احتقان قد ينعكس على الشارع». وأشار علي إلى أن «المجتمع في الحسكة متداخل إلى حد كبير»، وأن «الكثير من العائلات تضم مصاهرات وعلاقات عمل مشتركة»، معتبرًا أن «الحفاظ على هذه الروابط مسؤولية جماعية، خصوصًا في الفترات الانتقالية».
بدوره، أفاد الباحث في علم الاجتماع أحمد موفق بأن تصاعد خطاب الكراهية في سياقات التحولات السياسية «ظاهرة معروفة»، لكنها تزداد خطورة في المجتمعات التي خرجت من نزاعات ممتدة. وأوضح لعنب بلدي أن «التحولات في موازين القوى تخلق شعورًا بعدم اليقين، وقد يشعر بعض الأفراد بأن هويتهم أو مصالحهم مهددة، مما يدفعهم إلى تبني خطاب دفاعي قد يتحول إلى عدائي».
وأضاف أن «وسائل التواصل الاجتماعي تسرّع انتشار هذا الخطاب، لأنها تتيح التعبير الفوري، وغالبًا دون رقابة ذاتية كافية»، مشيرًا إلى أن «المحتوى الاستفزازي ينتشر أسرع من الخطاب المتزن». وعن آليات المواجهة، شدد موفق على أهمية العمل على عدة مستويات، منها:
وأشار إلى أن «الفصل بين النقد السياسي المشروع وخطاب الكراهية أمر أساسي»، موضحًا أن «الانتقاد حق، لكن التحريض ضد جماعة سكانية على أساس قومي أو عرقي يقوّض أسس التعايش».
تعيش محافظة الحسكة وبقية مناطق شمال شرق سوريا مرحلة إعادة ترتيب سياسي وإداري، وسط تساؤلات حول شكل الإدارة المحلية، وسبل دمج المؤسسات، وضمان حقوق جميع المكونات ضمن إطار الدولة. وفي هذا السياق، قد يؤثر الخطاب العام، سواء في الإعلام أو على منصات التواصل، بشكل مباشر في اتجاهات المرحلة المقبلة. فإما أن يسهم في تهدئة المخاوف وبناء الثقة، أو يكرّس الاستقطاب ويعمّق الشروخ الاجتماعية.
ويؤكد كل من سامي المحمد وداديار علي أن مسؤولية الحد من خطاب الكراهية لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل تشمل الأفراد والناشطين ووسائل الإعلام والجهات الرسمية، داعين إلى «تغليب لغة العقل» و«تقديم مصلحة الاستقرار المجتمعي».
على الأرض، تواصل الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) تطبيق بنود الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 30 كانون الثاني. وشهدت المناطق المحيطة بمدينة الحسكة، خلال اليومين الماضيين، انسحابات متبادلة من خطوط التماس بين الطرفين، بعد انسحابات سابقة جرت من مناطق أخرى. وفي الأيام الأخيرة، بدأ الجانبان بتطبيق البنود الإدارية والأمنية للاتفاق، وأبرزها تعيين محافظ للحسكة تم ترشيحه من قبل «قسد» إضافة إلى دخول العشرات من قوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي. كما قامت وفود حكومية بزيارة مطار القامشلي وحقول رميلان تمهيدًا لإعادة تشغيلها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة