مؤتمر ميونخ 62: خطاب حذر حول الشرق الأوسط ونتائج مؤجلة في ظل تحولات دولية


هذا الخبر بعنوان "عندما يغيب الإنجاز: قراءة في مخرجات ميونخ 62..خطاب متقدّم… ونتائج مؤجَّلة!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل ظرف دولي بالغ الحساسية، حيث تتشابك تحولات موازين القوى العالمية مع الأزمات الممتدة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وتداعيات الصراعات الإقليمية، انعقدت النسخة الثانية والستون من Munich Security Conference. اختار المؤتمر شعارًا لافتًا هو «البناء على الزخم – من الوعد إلى التقدم»، والذي يحمل في طياته قدرًا من الواقعية السياسية، لكنه يثير تساؤلات مشروعة حول ماهية هذا «التقدّم» وحدوده الحقيقية، كما يرى د. سلمان ريا.
اتسمت نقاشات ميونخ 62 هذا العام بلهجة أكثر حذرًا وأقل اندفاعًا، حيث تحول التركيز من الحديث عن تسويات كبرى وشيكة إلى إدارة المخاطر ومنع التصعيد وتهيئة المناخات السياسية. يعكس هذا التحول في الخطاب إدراكًا متناميًا لدى القوى الدولية بأن منطقة الشرق الأوسط لم تعد تستوعب رهانات مرتجلة أو حلولًا مفروضة من الخارج، وأن تحقيق الاستقرار بات مرهونًا بمعالجات تدريجية تأخذ في الاعتبار تعقيد الواقع الإقليمي وتشابك المصالح.
بخصوص القضية الفلسطينية، تبلور إجماع لفظي على أهمية تثبيت التهدئة، وتوسيع نطاق الدعم الإنساني، وفتح أفق سياسي متعدد الأطراف. ومع ذلك، بقيت المقترحات المطروحة في إطار إعادة تحريك المسار القائم، دون إعادة صياغته جذريًا. لم يتم الإعلان عن أي إطار زمني ملزم أو ضمانات واضحة للانتقال من مجرد إدارة الأزمة إلى حلها الفعلي. يشير هذا إلى استمرار تفضيل المجتمع الدولي لمقاربة الاحتواء المرحلي على الحسم السياسي، وهو خيار قد يُفهم من منظور توازنات القوى، لكنه لا يلبي تطلعات شعوب المنطقة نحو تسويات عادلة ومستقرة.
وفيما يتعلق بالملفات الإقليمية الأخرى، بما في ذلك التوترات المرتبطة بـإيران وترتيبات الأمن الإقليمي، ساد المؤتمر مناخ من استكشاف الإمكانات وفتح قنوات التواصل، دون الإعلان عن تفاهمات نوعية جديدة. ورغم أن ذلك يُعد خطوة ضرورية لتخفيف التصعيد، إلا أنه يبقى في إطار التحضير وليس الإنجاز الفعلي. فالتقدم الحقيقي يُقاس بمدى قدرة الأطراف على ترجمة النوايا إلى التزامات واضحة، لا بمجرد إدارة التباينات.
من جانب آخر، لا يمكن التقليل من أهمية إعادة إدراج الشرق الأوسط ضمن أولويات الاهتمام الدولي، ولا من قيمة الحفاظ على منصات الحوار في مرحلة تتسم باضطراب النظام العالمي وتراجع الثقة بين القوى الكبرى. إن مجرد الاعتراف بأن استقرار المنطقة يُعد جزءًا لا يتجزأ من الاستقرار العالمي يمثل عنصرًا إيجابيًا، خاصة بعد محاولات سابقة لتهميش بعض ملفاتها أو اختزالها في أبعاد أمنية ضيقة.
من منظور سوريا تحديدًا، يكتسب هذا النقاش بعدًا إضافيًا، حيث لا يمكن تحقيق استقرار الإقليم دون مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمات، وتحترم سيادة الدول، وتدعم مسارات الحلول السياسية الوطنية بعيدًا عن الضغوط الانتقائية والمعايير المزدوجة. ورغم أن مؤتمر ميونخ أعاد التأكيد على أهمية الحلول السياسية وخفض التصعيد، فإن التحدي الأكبر يكمن في ترجمة هذه المبادئ إلى سياسات متوازنة تحترم خصوصيات الدول وتدعم حق شعوبها في الأمن والتنمية.
في الختام، يمكن القول إن ميونخ 62 كان محطة لإعادة التموضع وترتيب الأولويات، أكثر منه لحظة إنجاز حاسم. فالتقدم الذي تحدث عنه المشاركون يتركز في مستوى التنسيق والخطاب، وليس في مستوى التسويات النهائية. ومع ذلك، فإن هذا التقدم، إذا ما تم استثماره بشكل جيد، قد يشكل أساسًا لمسار أكثر جدية في المرحلة القادمة. فالمسافة بين الوعد والإنجاز تتطلب إرادة سياسية ثابتة، وقرارات شجاعة، والتزامًا فعليًا بالقانون الدولي ومبادئ العدالة. إن منطقة الشرق الأوسط، بما تحمله من تاريخ وتحديات، لا تحتاج إلى عناوين براقة بقدر حاجتها إلى خطوات عملية تضع حدًا لدورات التصعيد المتكررة. عندها فقط يمكن أن يتحول «التقدّم» إلى إنجاز حقيقي ينعكس أمنًا واستقرارًا على شعوبها كافة. (المصدر: موقع:اخبار سوريا الوطن)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة