كارثة بيئية وصحية تحاصر حي عين الباد بحماة: نفايات المسالخ والحيوانات النافقة تهدد حياة السكان والأطفال


هذا الخبر بعنوان "“عين الباد” بحماة.. سكان وسط نفايات المسالخ والحيوانات النافقة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يعيش أهالي حي عين الباد في مدينة حماة واقعًا مأساويًا يتمثل في كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة، حولت حياتهم اليومية إلى معاناة مضاعفة. لم يعد الطريق الوحيد المؤدي إلى الحي مجرد ممر للعبور، بل تحول إلى مكب مفتوح لفضلات المسالخ والحيوانات النافقة، يتاخم مداخل المنازل والمدرسة، في ظل غياب تام لأي تحرك جاد من الجهات المعنية.
تحدث سكان الحي لعنب بلدي عن معاناتهم المستمرة جراء انتشار الروائح الكريهة، والأمراض الجلدية، والكلاب الشاردة التي تتغذى على الجيف المتراكمة. هذا الوضع أجبرهم على العيش في عزلة قسرية، خجلًا من استقبال الضيوف، وخوفًا من هجوم الكلاب على أطفالهم أو إصابتهم بمرض "حبة السنة" (الليشمانيا).
روى خالد النايف، أحد سكان الحي، بأسف عميق تفاصيل المعاناة اليومية التي يواجهها أهالي المنطقة بسبب الكارثة البيئية المحيطة بمدخل حيهم. وصف النايف الوضع بأنه "كارثي"، مشيرًا إلى أن طريق الحي من جهة المسلخ البلدي، بالإضافة إلى منطقة المزارب، أصبح مكبًا عشوائيًا لفضلات المسالخ والجيف.
وما يزيد الوضع سوءًا، وفقًا لخالد، هو أن الجرافات (التركسات) تكتفي بإزاحة "القاذورات" عن وسط الطريق لتكديسها في أكوام عالية، مما يفسح المجال للمخالفين لإلقاء المزيد من الفضلات. كما تحدث خالد عن حادثة تعرض طفل لعضة كلب في ساقه خلال توجهه إلى مفرق الحي. هذه الكلاب، التي "استوطنت" المنطقة بسبب تغذيتها المستمرة على دماء وجيف المسالخ، تهاجم المارة وأصحاب الدراجات النارية بشراسة، وقد كادت إصابة الطفل أن تؤدي إلى بتر ساقه.
ومع حلول فصل الصيف، تزداد الكارثة تفاقمًا بانتشار الحشرات والبعوض فوق أكوام الجيف، ما أدى إلى انتشار مرض "الليشمانيا" (حبة السنة) بين أطفال المنطقة، مخلفًا إصابات وتشوّهات واضحة في الوجوه والأيدي. وأكد خالد أن هذا الطريق هو المنفذ الوحيد لأهالي الحي، وبسبب حالته "المقرفة" يشعر السكان بحرج شديد أمام ضيوفهم.
تحدثت براءة، مديرة مدرسة "عين الباد"، عن الواقع المحيط بالمدرسة قائلة: "الواقع هنا يتجاوز الوصف، القمامة والجيف تحاصرنا من كل جانب، والطريق الذي يسلكه الطلاب القادمون من منطقة المزارب ليس مجرد طريق، بل هو مكب للحيوانات النافقة التي تتكوم على جانبيه أمام أعين الصغار".
وأوضحت مديرة المدرسة لعنب بلدي أنهم "بدأوا يدفعون الثمن صحيًا، فـ حبة السنة (الليشمانيا) تنتشر بشكل مخيف بين الطلاب بسبب القوارض والحشرات. ليس الأطفال وحدهم، بل حتى الكادر التدريسي. إحدى الزميلات تعاني من الربو، وقد ساءت حالتها جدًا بسبب الروائح الكريهة، لدرجة أنها تفكر جديًا بترك المدرسة والرحيل لمجرد الهروب من هذا الطريق".
وأكدت المديرة أن سوء حالة الطريق وتراكم النفايات جعل "الوصول إلى المدرسة معضلة. لا أحد يرضى أن يأتي إلى هنا، حتى وسائل المواصلات تعجز عن الوصول، والمعلمات يعانين الأمرَّين. صرنا في عزلة يفرضها القرف والإهمال". ووجهت رسالة للجهات المسؤولة: "أدعو كل مسؤول ليأتي ويرى بعينه ما يعيشه هؤلاء الأطفال. ما نتحدث عنه ليس مجرد قمامة، بل هو انتهاك صارخ لكل معاني الإنسانية والطفولة".
لم يخفِ أحمد خلوف، عضو لجنة الحي، إحباطه في حديثه إلى عنب بلدي، كاشفًا عن أبعاد جديدة للأزمة في الحي الذي بات بلا هوية إدارية ولا خدمات. أوضح خلوف أن عين الباد تعاني من ضياع هويتها الإدارية بين تصنيفها كقرية أو حي تابع لمدينة حماة. هذا التخبط تسبب بغياب الميزانيات الخدمية، فحين يطالب الأهالي بالخدمات يُقال لهم "أنتم حي"، وعند مراجعة مؤسسات المدينة يُردّ عليهم "أنتم قرية"، لتسقط المنطقة في سلة النسيان.
أشار خلوف إلى أن عائلته كانت ضحية مباشرة، حيث أصيبت زوجته وأربعة من أبنائه الخمسة بمرض "الليشمانيا". ولفت إلى أن المنطقة تعاني من انتشار كثيف للكلاب الشاردة التي تهاجم السكان وتسبب الرعب للأطفال، خاصة أمام المدرسة والمسجد. وأضاف أن مدرسة الحي تفتقر تمامًا لسور يحمي الطلاب، حيث تمر السيارات والدراجات النارية والكلاب الشاردة داخل ساحة المدرسة وبين الطلاب في أثناء الدوام. كما أن المقاعد الدراسية محطمة، مع نقص حاد في المياه والمرافق الصحية. وأكد أن العديد من الأهالي اضطروا لنقل أطفالهم إلى مدارس المدينة بتكاليف باهظة، بينما ترك الفقراء التعليم نهائيًا خوفًا على سلامة أولادهم.
وفي وصف لمشكلة المياه، أشار خلوف إلى أن هناك ثلاث آبار في أراضي عين الباد تضخ المياه لمناطق تبعد 11 كم، بينما يُحرم سكان الحي من بئر لا يبعد عنهم سوى كيلومتر واحد. ويضطر الأهالي لشراء صهاريج المياه بأسعار مرتفعة بسبب تهالك الشبكة ونظام "الدور" الذي لا يوفر المياه سوى يومين في الأسبوع. ولفت إلى أن مدخل الحي يفتقر للإنارة تمامًا، ما جعله عرضة للجرائم، إذ وقعت جريمة قتل قبل عامين، قُتل فيها شاب، استغل فيها الجناة الظلام الدامس بهدف سرقة دراجته النارية. كما أكد أنه قدم العديد من الطلبات للبلدية ولجنة الحي والمختار، لكن دون أي تنفيذ على أرض الواقع.
بين شهادات الأهالي الموجعة ومسؤولية الجهات الرسمية المحدودة، يبقى سكان حي عين الباد تحت وطأة كارثة بيئية تستفحل يومًا بعد يوم، وإهمال يفتك بحقهم في العيش بكرامة. وقد قدّم المسؤول في مديرية النظافة بمجلس مدينة حماة، علاء عبد الغني عربو، لعنب بلدي روايته للأزمة، معترفًا بوجود تقصير، ومقدمًا وعودًا جديدة.
وفي رده على أسباب عودة الرمي العشوائي، أرجعها عربو إلى عدم وجود رقابة كافية، وتقصير في تطبيق الإجراءات القانونية ضد المخالفين، إضافة إلى نقص التوعية البيئية لدى بعض المواطنين وأصحاب المنشآت، وكذلك قلة الموارد البشرية والمالية، وعدم وجود دوريات مراقبة منتظمة. وحول غياب الشاخصات التحذيرية أو الإجراءات الهندسية، أوضح عربو أن العمل جارٍ لوضعها وستُنفذ قريبًا بهدف منع وصول الشاحنات إلى الموقع.
وبيّن أن المجلس يمتلك قائمة بأسماء المنشآت المخالفة، وسيُتخذ الإجراء القانوني بحقها. وفي ما يخص العقوبات، قال إنه سيتم تطبيق قانون النظافة رقم "49" لعام 2004 وتعديلاته، وقرار محافظة حماة رقم "22" لعام 2025، مشيرًا إلى أنه تم حجز عدد من الآليات المخالفة لرمي المخلفات داخل الأحياء السكنية. وأكد أن المديرية تقوم بترحيل هذه المخلفات بشكل دوري، ويوجد تعاون مع قوى الأمن الداخلي التي قامت بحجز عشرات السيارات المخالفة، مع خطة لتشكيل دوريات "شرطة بلدية" لمراقبة المحور. ووعد بتنظيف الموقع بشكل نهائي، ومراقبته بشكل مستمر لمنع عودة الرمي العشوائي، مع العمل على توعية المواطنين بأهمية الحفاظ على النظافة البيئية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي