الطائفية السياسية: كيف دمرت المجتمعات وأخضعت الشعوب في المنطقة


هذا الخبر بعنوان "كيف فتكت الطائفية ببلادنا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أراد أستاذنا، زكريا تامر، أن يوضح لنا الآلية التي تتبعها الأنظمة الدكتاتورية في ترويض المواطن الحر والمعتد بنفسه. وصف لنا نمرًا أسيرًا، شديد الأنفة والكبرياء، تلقفه المروضُ البارع، الذي بدأ يتعامل معه من خلال معدته. تركه يجوع إلى أقصى حد، ثم اشترط عليه أن يقول "أنا جوعان" ليقدم له الطعام. وبعد ذلك، راح المروض يأخذ منه تنازلات متتالية مقابل إطعامه، حتى تحول النمر إلى مهرج يفعل ما يريده المروض، دون أن تمس كرامته أو يقاوم أو يحتج. هذه الأمثولة التي قدمها الأستاذ زكريا صحيحة، لكنها، برأيي، لا تكفي لتفسير آليات إخضاع المواطنين والشعوب في منطقتنا الغارقة بالتخلف. أهم هذه الآليات، في تقديري، هي نشر الطائفية السياسية.
يكون نشر الطائفية السياسية مقترنًا بضخ مليارات الدولارات، بهدف إقناع أبناء الأكثرية الدينية بأنهم مظلومون، وأن حكم البلد من حقهم. في هذه الحالة، لا يعود الشعب بحاجة إلى الإخضاع القسري، فهو بـ"الطائفية" يخضع من تلقاء نفسه، وينجرف وراء أي شخص من طائفته، حتى لو قاد هذا الشخص الوطن كله إلى الهاوية. عندما تتفشى الطائفية في المجتمع، فإنها تُحدث قطيعة حادة مع مختلف القواعد الضرورية لبناء مجتمع حديث، متطور، ومتحضر. فهي تفتك، أولًا، بمبدأ المواطنة، مما يؤدي إلى تحييد قسم كبير من أبناء الوطن، باعتبار أنهم من الأقليات. كما تجعل أبناء الأقليات الدينية يشعرون بالخوف والانكفاء، فلا يبقى لديهم أي دافع للمساهمة في بناء الوطن.
تتقدم الطائفية خطوة أخرى إلى الأمام، فتضع الطائفة الكبرى في مواجهة مع أبناء الأقليات، مما يفاقم الأحقاد التي بنيت في أيام النظام السابق، وتتعمق، وتصبح معكوسة. وهذا يكبل أبناء الطائفة الكبرى أنفسهم، فلا يعودون قادرين على التفكير بالأسس السليمة اللازمة لبناء الدول. هذه الآليات طُبقت، بحذافيرها، على المجتمع السوري. ففي سنة 2011، كان نظام الأسد قد بلغ أقصى مراتب الفساد السياسي والاقتصادي والإداري، وكادت الدولة السورية أن تصبح مملوكة لمجموعة صغيرة من ضباط الجيش والمخابرات وبعض أقارب الرئيس. انفجرت الأوضاع، ونزل الناس إلى الشوارع مطالبين بالإصلاح في البداية، ولم يكن النظام، حينئذ، يمتلك أي نوع من المرونة التي تؤهله لامتصاص غضب الناس.
في 30 من آذار 2011، وقف بشار الأسد في مجلس الشعب ليعلن الحرب على المتظاهرين، بقوله: "إذا فُرضت علينا المعركة فأهلًا وسهلًا بها". وأشهر نظامُه على الناس حلًا رئيسيًا واحدًا، هو الحل الأمني، معتبرًا أن هذه الاحتجاجات كلها مؤامرة غير معروفة المصدر. حتى إن الثائرين صاروا يتندرون بالقول إنها مؤامرة "كونية"، بمعنى أن الكواكب والنجوم وطبقات الهواء مشتركة فيها. وعندما تقدم الإيرانيون لمؤازرة النظام، أصبح القسم الأكبر من القرار السياسي السوري مرهونًا للإيرانيين. وبعد سنة 2015، تقاسمت روسيا مع إيران النفوذ، وفي تلك الآونة، بدأ العمل على إيقاظ المظلومية السنية. وزاد في الطين بلة أن ميليشيات شيعية، ومنها "حزب الله" اللبناني، تقدمت للقتال إلى جانب النظام. وهكذا، تحولت الثورة على الاستبداد إلى صراع طائفي مسلح على السلطة، وهكذا وصلنا إلى هذا القاع السحيق.
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
سياسة