انهيار مخيم الهول: تحوّل الملف الأمني الدولي إلى تحدٍّ محلي منتشر في سوريا


هذا الخبر بعنوان "تفكيك مخيم الهول… من ملف دولي ثقيل إلى جغرافيا مفتوحة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحوّل ملف مخيم الهول، الذي طالما اعتُبر نقطة أمنية دولية بالغة التعقيد، من احتجاز طويل الأمد بلا حسم إلى واقع انتشار واسع النطاق يفتقر إلى إطار قانوني واضح. فبعد سنوات من التحذيرات التي لوّحت بانفجار وشيك، لم يشهد المخيم تمردًا واسعًا أو هجومًا منظمًا، بل انهيارًا تدريجيًا تسارع مؤخرًا، ليتحول الموقع الذي كان يُصنف كأخطر بؤرة أمنية في شمال شرق سوريا إلى مساحة شبه فارغة تتنازع الروايات تفسير ما حدث فيها.
لم يكن ما جرى مجرد عملية إخلاء عادية، بل كان انهيارًا لبنية أُديرت كملف دولي ثقيل قبل أن تنزلق فجأة إلى واقع محلي مضطرب. حتى مطلع كانون الثاني/يناير 2026، كان المخيم يضم حوالي 23,400 شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال الذين خرجوا من آخر معاقل تنظيم "داعش" في الباغوز عام 2019. وكان القسم الأجنبي، الذي يُعد الأكثر حساسية، يضم أكثر من 6,300 امرأة وطفل من 42 جنسية. وتشير التقديرات الحالية إلى انخفاض العدد الإجمالي إلى أقل من خمسة آلاف شخص، فيما أصبح "قسم المهاجرات" شبه خالٍ، ولم يتبقَ فيه سوى عشرات العائلات.
أظهرت تسجيلات حديثة أن السوق الداخلية للمخيم باتت شبه مهجورة، مع خيام مطوية وأخرى مفتوحة على الريح، مما يوحي بأن المكان أُفرغ على عجل. هذا الانخفاض الحاد في أعداد قاطني المخيم لم يكن نتيجة لخطة استرداد دولية واسعة النطاق، بل تزامن مع انتقال إدارة المخيم من "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) إلى الحكومة السورية في أواخر كانون الثاني، وتسارع عملية الإفراغ خلال الأسابيع اللاحقة. وكان مسؤول سوري قد صرح لوكالة "رويترز" الشهر الماضي، عن نية لإغلاق مخيمات النزوح في شمال شرق البلاد، بما فيها تلك التي تضم مدنيين مرتبطين بـ"داعش"، في إطار إعادة تنظيم هذا الملف.
تعددت مسارات الخروج من المخيم ولم تتخذ شكلاً واحدًا. فقد تحدثت شهادات ميدانية عن دخول سيارات ليلًا لإخراج عائلات باتجاه إدلب ومناطق أخرى في الشمال، بعضها إلى مخيمات قريبة من الحدود التركية، وأخرى إلى مناطق خارج سيطرة الحكومة. في المقابل، أظهرت مقاطع مصورة عائلات تغادر علنًا دون وجود أمني ظاهر يمنعها. بالتوازي، نُقل جزء ممن تبقّى إلى مخيم جديد في ريف حلب الشمالي، يتميز بمبانيه مسبقة الصنع وتوفر الكهرباء الدائمة والاتصال بالإنترنت، لكنه يخلو من البوابات المغلقة والأسوار العالية.
لم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير في الموقع، بل تحولًا في فلسفة الاحتجاز؛ من نموذج مغلق عالي الحراسة إلى صيغة أقل انغلاقًا وأقرب إلى الإدارة المدنية. وتداولت حسابات موالية لتنظيم "داعش" معلومات عن شبكات محلية تولت إخراج عائلات، بينما تحدثت تقارير عن قدوم مقاتلين أجانب من آسيا الوسطى والقوقاز للمساعدة في نقل نساء أجنبيات إلى إدلب. كما ظهرت رسائل تحذيرية على قنوات مناصرة للتنظيم تدعو النساء إلى تجنب التوجه إلى مناطق معينة. يعكس هذا التداخل أن مصير العائلات لم يكن قرارًا إداريًا بحتًا، بل ساحة تنافس غير معلن بين أطراف عدة تسعى للتأثير في مساره.
في ذروة هذا التحول، علّقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنشطتها داخل المخيم إثر حادث أمني عند البوابة الرئيسية. حيث نظم محتجزون تظاهرة طالبوا فيها بالسماح لهم بالخروج وتوفير مساعدات عاجلة، قبل أن يتجه بعضهم نحو منطقة تمركز فرق الأمم المتحدة ويرشقوا المباني بالحجارة. أُبلغ الشركاء بتوقف جميع الأنشطة داخل المخيم، وغادرت فرق الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الموقع، فيما تقرر إرسال بعثة أمنية لتقييم الوضع. واستُثنيت خدمات المياه المدعومة من "اليونيسف"، بينما توقفت التوزيعات الأخرى. جاء ذلك في سياق توتر متصاعد بعد خروج آلاف بطرق غير منظمة ومنع آخرين من المغادرة، ما دفع عائلات إلى الاحتجاج. وشكّل تعليق الأنشطة الدولية نقطة انعطاف في تفكيك البنية التي كانت تنظم الخدمات والوجود الدولي داخل المخيم، وزاد من هشاشة المرحلة الانتقالية.
لسبع سنوات، أُدير مخيم الهول كملف دولي معقد مرتبط بالتحالف ضد "داعش"، ومحاط بمسؤوليات قانونية متشابكة. احتُجز آلاف النساء والأطفال دون مسارات قضائية واضحة، فيما امتنعت غالبية الدول عن استعادة رعاياها. اليوم، ومع خروج آلاف دون إعلان آليات فرز قانوني أو برامج متابعة محددة، ينتقل الملف من احتجاز طويل بلا حسم إلى واقع انتشار بلا إطار قانوني واضح. خلال تلك السنوات، انخفض العدد تدريجيًا عبر إخراج عائلات سورية بوساطات عشائرية، وإعادة دفعات عراقية، واسترداد محدود من دول آسيوية وأوروبية، لكن الكتلة الأشد حساسية بقيت في "قسم المهاجرات". اليوم، ينتقل الملف من إطار دولي ثقيل إلى ترتيبات محلية سريعة، وينتقل عبء التعامل مع نتائجه إلى الفاعلين ضمن الجغرافيا السورية نفسها.
تزامن تفريغ المخيم مع تكثيف الضغط العسكري على تنظيم "داعش"، حيث نفذت الولايات المتحدة بين 3 كانون الثاني و12 منه ما لا يقل عن عشر غارات جوية استهدفت أكثر من 30 موقعًا، ضمن حملة أوسع طاولت أكثر من 100 هدف وأدت إلى تحييد أو توقيف نحو 50 عنصرًا. كما أُعلن نقل أكثر من 5,700 معتقل بالغ من سوريا إلى العراق خلال 23 يومًا. يعكس هذا التزامن تحولًا في إدارة مرحلة ما بعد "داعش": تقليص الاحتجاز المدني داخل سوريا، مقابل تشديد القبضة العسكرية ونقل مركز احتجاز المقاتلين. وهكذا، لم يُحلّ ملف الهول بقدر ما أُعيد توزيعه. اختفى المكان بوصفه نقطة تركيز، لكن التحدي بقي قائمًا، موزعًا في جغرافيا أوسع وأقل قابلية للضبط.
الخطر الذي كان متركزًا داخل موقع واحد عالي الحراسة أصبح اليوم موزعًا في جغرافيا أوسع: مخيمات أخرى، مناطق مختلفة، ومسارات انتقال غير واضحة بالكامل. خرج آلاف الأشخاص دون برامج تأهيل واسعة أو مسارات قانونية معلنة لإعادة الدمج، مما يضع عبئًا مباشرًا على مجتمعات محلية هشة أصلاً في ظل غياب آليات متابعة مؤسسية واضحة. لم يُحلّ مخيم الهول عبر تسوية شاملة، بل أُزيل من مكانه. لم تختفِ المشكلة، بل تغيّر شكلها. كان المخيم نقطة تركيز يمكن مراقبتها — حتى لو نظريًا — أما اليوم فالملف موزّع، أقل قابلية للاحتواء والمتابعة، وأكثر ارتباطًا بجغرافيا متحركة. وبين انهيار الأسوار وتشتت الكتلة، يتشكّل واقع جديد لا يعيد تعريف مخيم بعينه فحسب، بل يعيد ترتيب معادلة التعامل مع إرث "داعش" في سوريا بأكمله.
(صورة: سيدة نازحة من ريف دير الزور تحمل طفلاً في مخيم الهول بالحسكة، 18 نيسان 2019. أ ف ب)
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد