المتحف البريطاني يستبدل "فلسطين" بـ"كنعان" في معروضاته تحت ضغط إسرائيلي: جدل حول الهوية والتاريخ


هذا الخبر بعنوان "المتحف البريطاني يشطب «فلسطين»" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أقدم المتحف البريطاني على حذف مصطلح «فلسطين» من بعض اللوحات التعريفية في قاعات الشرق الأوسط القديم، مستبدلاً إياه بـ«كنعان»، وذلك استجابة لضغوط إسرائيلية. هذه الخطوة، التي كشفت عنها صحيفة «تيليغراف» البريطانية، أثارت جدلاً واسعاً حول الدقة التاريخية ومحاولات طمس الهوية الفلسطينية وتاريخها، في سياق ما يُنظر إليه كنهج مستمر لمحو الوجود الفلسطيني.
جاءت هذه التعديلات عقب شكاوى تقدمت بها منظمة «محامون من أجل إسرائيل في المملكة المتحدة»، التي اعتبرت أن استخدام كلمة «فلسطين» في سياقات تعود لآلاف السنين يشكل إسقاطاً زمنياً غير دقيق. رأت المنظمة أن هذا الاستخدام يطمس التحولات التاريخية ويخلق انطباعاً باستمرارية سياسية أو قومية غير صحيحة. شملت التعديلات خرائط ولوحات معلومات تغطي فترات من العصرين البرونزي والحديدي، بالإضافة إلى معروضات مرتبطة بمصر القديمة والفينيقيين.
على سبيل المثال، استُبدل مصطلح «فلسطين» بتسمية «كنعان» في بعض الخرائط التي كانت تشير إلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد. كما عُدّلت عبارة تصف «الهكسوس» بأنهم «من أصول فلسطينية» لتصبح «من أصول كنعانية»، في محاولة لمواءمة المصطلحات مع السياق التاريخي لتلك المرحلة. وبحسب الرسالة الموجهة إلى مدير المتحف نيكولاس كولينان، اعتبرت المنظمة أن كلمة «فلسطين» لم تكن ذات معنى جغرافي محدد في الفترات التي سبقت استخدامها الإغريقي والروماني، وأن توظيفها في معارض تغطي الحقبة ما بين 1700 و1500 قبل الميلاد يوحي بوجود هوية متواصلة عبر العصور، وقد يؤدي إلى تقديم نشأة بني إسرائيل والشعب اليهودي بصورة توحي بارتباطهم بكيان جغرافي لم يكن قد تبلور بعد بمفهومه المعروف في الفترات اللاحقة.
من جانبه، برر المتحف البريطاني هذه التغييرات بأنها جزء من مراجعة علمية أوسع للعرض المتحفي، تُنفَّذ حالة بحالة، بهدف ضمان الدقة التاريخية وتجنب الإسقاط الزمني. وأشار متحدث باسم المتحف إلى أن مصطلح «كنعان» يُعد الأنسب لوصف جنوب بلاد الشام في أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، استناداً إلى الأدلة النصية والأثرية المتوافرة لتلك الفترة. اللافت أن المتحف أكد استمراره في استخدام مصطلح «فلسطين» في السياقات التي يكون فيها المصطلح مستخدماً تاريخياً، أو عند الإشارة إلى الجغرافيا المعاصرة، ما يعكس محاولة للفصل بين البعد الأثري القديم والواقع السياسي الحديث.
ومع ذلك، يرى كثيرون أن خطورة ما يحدث تتجاوز مجرد التوصيف الجغرافي التاريخي، وترتبط بهوية وطنية. يشكل هذا الحذف إقصاءً رمزياً، حتى وإن كان الدافع المعلن أكاديمياً بحتاً، ويؤسس لإفراغ الاسم من عمقه التاريخي وحصره في إطار سياسي راهن يمكن الطعن به. فالتشكيك في امتداد الوجود الفلسطيني على الأرض، بحجة أن «فلسطين» مصطلح حديث ومُسيّس، يتجاهل أن الشعوب لا تبدأ بتاريخ إعلان دولها الحديثة، بل تمتد جذورها في المكان عبر قرون طويلة من التراكم الثقافي والاجتماعي.
يُظهر التاريخ أن اسم «فلسطين» ليس حديثاً، بل استُخدم منذ العصور الكلاسيكية للإشارة إلى هذه المنطقة من شرق المتوسط، وتداولته مصادر متعددة عبر القرون. ورغم تبدل مدلوله بتغير السياقات السياسية والإدارية، فإن وجوده في السرديات التاريخية ليس طارئاً. لذا، فإن التعامل مع الاسم بوصفه «حديثاً بالكامل» يتجاهل طبقات طويلة من الاستخدام التاريخي. ويغفل حصر النقاش في دقة استخدام المصطلح في فترة زمنية معينة، سؤالاً أعمق حول كيفية اختيار المصطلحات في المتاحف العالمية، ومن يملك حق الاعتراض عليها، ولماذا تُستجاب بعض الضغوط بسرعة بينما تُهمَّش روايات شعوب أخرى، خاصة وأن المتاحف ليست مؤسسات محايدة تماماً، بل تساهم بشكل أساسي في تشكيل وعي ملايين الزوار سنوياً.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة