الشبكة السورية تحذر: إلغاء "الفروغ" المتسرع للمحال التجارية يهدد بإحداث صدمة قانونية واقتصادية


هذا الخبر بعنوان "الشبكة السورية تحذر من إلغاء متسرع لـ “فروغ” المحال التجارية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اليوم الثلاثاء، تقريراً مفصلاً يسلط الضوء على ظاهرة "الفروغ" في المحال والعقارات التجارية. وقد وصف التقرير هذه الظاهرة بأنها نتيجة مباشرة لاختلال بنيوي عميق رافق قوانين الإيجار الاستثنائية في سوريا منذ منتصف القرن العشرين، وبالأخص نظام التمديد الحكمي الذي حوّل عقد الإيجار إلى علاقة شبه دائمة، مما جرّد المالك فعلياً من حقوق الاستعمال والاستغلال والتصرف، مقابل بدلات إيجار متدنية للغاية.
التقرير، الذي جاء تحت عنوان "الفروغ في المتاجر السورية: معالجة إرث التمديد الحكمي ضمن إطار العدالة الانتقالية لحقوق السكن والأرض والملكية"، حذّر بشدة من أي مقاربة متسرعة لإلغاء "الفروغ" في ظل التغيرات السياسية الراهنة وتشكيل لجنة رسمية لمراجعة التشريعات. وأكدت الشبكة أن معالجة هذا الملف الحساس خارج إطار وطني شامل قد يؤدي إلى ظلم جديد بحق أولئك الذين دفعوا مبالغ مرتفعة استناداً إلى استقرار قانوني سابق.
وفقاً للتقرير، نشأ "الفروغ" كحل عرفي لتعويض المستأجرين عن القيود المفروضة على الملكية بموجب نظام التمديد الحكمي. وقد أوجد هذا الوضع واقعاً قانونياً واقتصادياً فريداً: حيث يتمتع المستأجر بحق اقتصادي فعلي في المتجر، بينما تبقى ملكية الرقبة للمالك. هذا التوازن غير المعلن عمل، على مدى عقود، كآلية عملية لضبط العلاقة بين الطرفين في ظل قوانين قيّدت حق المالك وأبقت الأجرة منخفضة.
تزداد أهمية هذا الملف حالياً مع تصاعد الجدل حول "إلغاء الفروغ" ضمن أعمال لجنة وزارة العدل لعام 2025. وقد شدد التقرير على ضرورة إجراء نقاش قانوني متأنٍ يحقق العدالة ويحمي حقوق جميع الأطراف، دون إحداث صدمة قانونية أو اقتصادية في السوق. ودعت الشبكة إلى إدماج هذه القضية ضمن سياسة وطنية شاملة لحقوق السكن والأرض والملكية، تقوم على الاعتراف بوظيفة "الفروغ" التعويضية، واعتماد آليات مرنة للإثبات تراعي واقع التوثيق الضعيف الذي ساد لعقود، وتحقيق توازن عادل بين المالكين والمستأجرين.
اعتمد التقرير منهجية مركبة جمعت بين تحليل قانوني شامل لتشريعات الإيجار السورية منذ عام 1943، وعمل ميداني تشاوري تضمن مقابلات مع تجار وشاغلين في عدة محافظات. وقد تم دعم هذه المنهجية ببيانات حقوقية ورصد إعلامي ومقارنة قانونية، بهدف تقديم توصيات قابلة للتطبيق تراعي الخصوصية السورية وتعقيدات المرحلة الانتقالية.
خصص التقرير تمهيداً تاريخياً وسياسياً لقضايا السكن والأرض والملكية في سوريا، موضحاً أن الملكية استُخدمت منذ بدايات الدولة الحديثة كأداة سياسية. بدأ ذلك بالمصادرات التي أعقبت انهيار الدولة العثمانية، مروراً بقوانين التمديد الحكمي والتأميم والإصلاح الزراعي. كما تناول التقرير مرحلة حكم عائلة الأسد، التي شهدت تراكم تشريعات مقيّدة للملكية، خاصة بعد عام 2000، وبلغت ذروتها بعد عام 2011 عبر حزمة قوانين عمرانية وأمنية استُخدمت لمصادرة أملاك المعارضين والنازحين والمختفين قسرياً، ومنها المرسوم 66 والقانون 10 وقوانين مكافحة الإرهاب.
وأشار التقرير إلى أن نظام السجل العقاري جرى تفريغه من مضمونه بفعل الأحكام العرفية والغموض القانوني، مما أضعف الثقة بالضمانات القانونية. وفي مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، رصد التقرير محاولات جزئية لمعالجة الغصب العقاري، مقابل غياب مقاربة وطنية شاملة، مما أفرز مشكلات مستجدة. واعتبر أن ملف "فروغ" المتاجر يندرج ضمن هذا الإرث التشريعي المعقّد الذي يتطلب معالجة انتقالية دقيقة.
في استعراضه للإطار القانوني، بيّن التقرير التناقض بين أحكام القانون المدني لعام 1949، التي أخضعت الإيجار لإرادة المتعاقدين، وبين القوانين الاستثنائية التي فرضت التمديد الحكمي وقيّدت هذا المبدأ. وتميّز المسار التشريعي بمرحلتين رئيسيتين:
وخلص التقرير إلى أن هذا التدخل التشريعي الممتد أخلّ بحقوق المالكين، وشوّه سوق العقارات، وأنتج أوضاعاً قانونية معقّدة ما تزال آثارها قائمة.
شدد التقرير على خصوصية المتاجر في القانون السوري، مؤكداً عدم جواز مساواتها بسائر العقارات الخاضعة للتمديد الحكمي. فالمتجر، وفق قانون التجارة، كيان مستقل عن العقار، يضم عناصر مادية ومعنوية في مقدمتها حق الاستئجار والسمعة التجارية والزبائن، وقد تتجاوز قيمته الاقتصادية قيمة العقار ذاته. ورغم إدخال تنظيم موسّع للمتجر في قانون التجارة رقم 33 لعام 2007 وإنشاء سجل للمتاجر، إلا أن تأخر التعليمات التنفيذية وضعف التطبيق حالا دون ترسيخ الفكرة عملياً، مما أدى إلى استمرار الخلط بين ملكية المتجر والقيود الضريبية.
ولفت التقرير إلى أن قوانين الإيجار، منذ القانون المدني، اعترفت صراحة بحق مستأجر المتجر في بيع متجره كاملاً ولو خلافاً لشروط منع التنازل، حفاظاً على استمرارية المشروع التجاري، وهو ما كرّسته القوانين الاستثنائية اللاحقة مع منح المالك حق طلب تخمين الأجرة. كما جاء القانون رقم 20 لعام 2015 لينظم العلاقة بوضوح، مانحاً المالك حق الأفضلية أو تقاضي 10% من ثمن البيع، ومكرساً عملياً "الفروغ" كهامش ربح مشروع. وفي ظل هذا الإطار، تشكلت علاقة خاصة بين المالك والمستأجر، قوامها علم الطرفين بإمكانية التنازل والبيع، مما أدى إلى دفع فروغ مرتفعة عند الإيجار الأول، غالباً دون توثيق رسمي، مقابل استقرار قانوني للمستأجر وتحقيق منافع اقتصادية متبادلة فرضتها قوانين التمديد الحكمي وواقع الأسواق.
في خلاصة تقريرها، شددت الشبكة السورية لحقوق الإنسان على أن ملف "الفروغ" لا يمكن فصله عن إرث تشريعي طويل أخلّ بالتوازن بين حق الملكية والاعتبارات الاجتماعية. ودعت الشبكة إلى مقاربة انتقالية شاملة تعترف بالحقوق المكتسبة وتؤسس لإصلاح قانوني تدريجي يضمن العدالة والاستقرار، دون خلق نزاعات جديدة أو تعميق هشاشة السوق العقارية في مرحلة دقيقة من التحول السياسي.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي