الطائرات المسيّرة: المحرك الرئيسي لتحول الحروب الحديثة وتحدياتها الاستراتيجية


هذا الخبر بعنوان "الطائرات المسيّرة تعيد رسم ملامح الحروب الحديثة في العالم" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد العالم خلال العقد الأخير تحولاً جذرياً في طبيعة الصراعات المسلحة، حيث تراجعت أهمية الجيوش التقليدية الثقيلة لصالح منظومات قتالية أكثر مرونة وخفة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة. لم تعد المعارك تُخاض وفق الأنماط الكلاسيكية التي سادت القرن العشرين، بل أصبحت تتجسد في فضاءات رقمية تتشابك فيها قدرات الاستشعار مع الذكاء الاصطناعي، وتتحول فيها البيانات إلى عامل حاسم في اتخاذ القرارات العسكرية.
في صميم هذا التحول، برزت الطائرات المسيّرة كأداة بالغة التأثير في إعادة تشكيل موازين القوى. تحولت الأجواء المنخفضة إلى ساحة اشتباك دائمة، حيث تتقاطع مسارات الطائرات الصغيرة مع أنظمة الدفاع الجوي، ويصبح المجال الجوي مساحة مفتوحة للرصد والهجوم. هذا الواقع دفع الجيوش إلى مراجعة عقائدها القتالية، وفرض على صناع القرار ضرورة مواكبة بيئة عملياتية سريعة التغير، لتنتقل الحروب من الاعتماد على القوة النارية الضخمة إلى أدوات تُدار عن بُعد من خلف الشاشات، تتميز بدقة أعلى وتكلفة أقل، لكنها تحمل تعقيدات استراتيجية وإنسانية أعمق.
مثّلت الحرب بين روسيا وأوكرانيا النموذج الأوضح لتحولات القتال الحديثة. فمنذ بدايات الصراع، استُخدمت الطائرات المسيّرة في مهام الاستطلاع والمراقبة قبل أن تتطور لتصبح أداة هجومية رئيسية. تشير تقارير أوروبية إلى أن الجانبين يستخدمان عشرات الآلاف من الدرونز سنوياً. ففيما أعلنت أوكرانيا في عام 2024 خطتها لإنتاج مليون طائرة مسيّرة سنوياً لتلبية احتياجات الجبهات، كثفت روسيا في المقابل استخدام طائرات “لانست” الانتحارية التي أثبتت فعاليتها الكبيرة في استهداف الدبابات الغربية ومنظومات الدفاع المتقدمة، ما جعل الساحة الأوكرانية مختبراً حقيقياً لتكتيكات الدرونز في الحروب الحديثة.
لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد وسيلة مساندة، بل تحولت إلى ذراع ضاربة أساسية في التخطيط العملياتي. أظهرت تقديرات غربية أن نسبة كبيرة من الإصابات الميدانية في بعض مراحل القتال نُفذت بواسطة الدرونز، متجاوزة بذلك المدفعية والطيران التقليدي. بالتوازي، تشير تقارير ميدانية إلى أن بعض الجبهات تشهد استخداماً يومياً لمئات الطائرات الانتحارية الصغيرة، ما يرسخ مكانة الدرونز كسلاح حاسم منخفض الكلفة وعالي التأثير، قادر على تغيير مسار الاشتباك في وقت قصير.
أدى دمج الذكاء الاصطناعي إلى زيادة تعقيد المشهد العسكري، إذ أصبحت بعض الطائرات المسيّرة قادرة على تحليل البيانات وتحديد الأهداف واتخاذ قرارات شبه مستقلة أثناء تنفيذ المهام. في هذا السياق، تعمل الولايات المتحدة ضمن برنامج “ريبيليكاتور” على تطوير أسراب من الدرونز ذاتية التنسيق، ما يفتح الباب أمام مستوى جديد من الأتمتة العسكرية. ورغم ما يوفره ذلك من سرعة وكفاءة، فإنه يثير تساؤلات أخلاقية وقانونية حول حدود السيطرة البشرية ومسؤولية القرار.
أحدث الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة خللاً واضحاً في ميزان الكلفة والردع. فباستخدام طائرات منخفضة الكلفة، بات بالإمكان استنزاف أنظمة دفاع جوي باهظة الثمن، كما حدث في جبهات عدة حيث استخدمت درونز لا تتجاوز قيمتها مئات الدولارات لإرباك منظومات دفاعية بملايين الدولارات. هذا التحول أعاد تعريف مفهوم التفوق العسكري، فلم يعد حجم الترسانة معياراً كافياً للقوة، بل القدرة على الابتكار وسرعة التكيف مع أنماط القتال الجديدة.
على الرغم مما يُروج له بشأن دقة الطائرات المسيّرة، فإن الواقع الميداني يكشف عن ثمن إنساني مرتفع. أظهرت بيانات أممية أن الدرونز قصيرة المدى أصبحت من أكثر الأسلحة فتكاً بالمدنيين في النزاعات الحديثة، مع تسجيل مئات القتلى وآلاف الجرحى. برز هذا الواقع بوضوح في أوكرانيا وغزة، حيث أدى الاستخدام المكثف للطائرات الصغيرة داخل المناطق السكنية إلى زيادة المخاطر على المدنيين، ما يؤكد أن التطور التكنولوجي لا يعني بالضرورة تقليص الخسائر البشرية.
تواجه جيوش المنطقة والعالم تحديات غير مسبوقة، إذ صُممت عقائدها القتالية لمواجهة تهديدات تقليدية، في حين تشير دراسات دولية إلى أن الطائرات المسيّرة استُخدمت خلال السنوات الأخيرة في أكثر من أربعين نزاعاً مسلحاً حول العالم، ما يجعل هذا التهديد ظاهرة عالمية. في مواجهة هذا الواقع، تتجه الدول إلى تطوير أنظمة دفاع متعددة الطبقات تشمل التشويش الإلكتروني، وأساليب الطاقة الموجّهة، والرادارات منخفضة الارتفاع، ومنظومات اعتراض مخصصة للدرونز الصغيرة.
تزداد الإشكالية تعقيداً مع خروج استخدام الدرونز عن إطار الدولة، إذ باتت “جماعات مسلحة وتنظيمات غير نظامية” تعتمد عليها في الاستطلاع والهجوم، كما ظهر في هجمات على السفن في البحر الأحمر وفي استخدام طائرات تجارية معدلة في مناطق عدة. هذا الأمر يطرح معضلة قانونية حقيقية، إذ تعمل هذه الجهات خارج منظومة القانون الدولي الإنساني، ما يصعّب المساءلة ويزيد من مخاطر استهداف المدنيين.
يرى خبراء عسكريون أن ما يجري في أوكرانيا يعكس ملامح الحروب المقبلة، حيث تتقدم الطائرات المسيّرة لتصبح عنصراً ثابتاً في أي صراع مستقبلي، مع توسع استخدام الأسراب وتزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. فيما يشير مراقبون إلى أن العالم دخل مرحلة جديدة أعادت فيها الدرونز رسم ملامح الحرب، ما يجعل إعادة التفكير في أخلاقيات استخدام القوة ضرورة لا يمكن تأجيلها.
سياسة
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا