ركود غير مسبوق في أسواق الحسكة قبيل رمضان: مخاوف أمنية واقتصادية تعرقل حركة التسوق


هذا الخبر بعنوان "أسواق الحسكة قبل رمضان.. إقبال خجول ومخاوف تقيّد الحركة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد أسواق محافظة الحسكة حالة من الركود غير المعتاد قبيل حلول شهر رمضان المبارك، في مشهد يختلف جذريًا عما اعتاده الأهالي في السنوات الماضية، حيث كانت الأسواق تضجّ بالمتسوقين الباحثين عن مستلزمات الشهر من مواد غذائية وتموينية وأدوات منزلية. يعود هذا التراجع الملحوظ في الحركة التجارية إلى التطورات العسكرية الأخيرة التي شهدتها المحافظة، والتي أسفرت عن توسع سيطرة الجيش السوري على مساحات واسعة من أرياف الحسكة، وتراجع نفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) داخل المدن الرئيسة، بما في ذلك مدينة الحسكة، وذلك في ظل ترتيبات ميدانية وإدارية بدأت تتشكل منذ مطلع شباط الحالي.
حركة خجولة في السوق
خلال جولة أجرتها عنب بلدي في السوق الرئيس بمدينة الحسكة، لوحظ أن المحال التجارية كانت مفتوحة، إلا أن عدد المتسوقين كان محدودًا للغاية، وهو ما وصفه التجار بـ”السنوات الذهبية” التي كانت الأسواق فيها تعجّ بالحركة قبل أيام من قدوم رمضان. أكد أحمد دقمان، صاحب محل للمواد التموينية في وسط السوق، أن الإقبال هذا العام “أضعف بكثير من الأعوام السابقة”، مشيرًا إلى أن الأيام التي تسبق رمضان كانت تشهد عادة ازدحامًا كبيرًا وعمليات شراء بكميات وفيرة، سواء من سكان المدينة أو القادمين من الأرياف المجاورة.
وأضاف دقمان: “كنا نضطر لتمديد ساعات العمل حتى المساء بسبب كثافة الزبائن، أما اليوم فنغلق أبوابنا باكرًا لقلّة الحركة”، مرجعًا ذلك إلى “الظروف الأمنية وعدم وضوح الصورة لدى الناس”.
حواجز ومخاوف
يربط تجار ومواطنون حالة الركود الحالية بالإجراءات الأمنية المشددة المفروضة على مداخل المدن، وما يصاحبها من حواجز وتدقيق في الهويات، بالإضافة إلى إغلاق بعض الطرق الحيوية التي تربط بين الريف والمدينة. نجوى محمد، سيدة تقطن في ريف الحسكة الجنوبي، أوضحت أنها كانت تأتي سنويًا إلى سوق المدينة لشراء مستلزمات رمضان، لكنها هذا العام ترددت في الدخول بسبب “الخوف من الملاحقات الأمنية والتدقيق الطويل على الحواجز”.
وتابعت نجوى محمد: “الطريق لم يعد كما كان، هناك نقاط تفتيش، وبعض الجيران تعرضوا للاستجواب عند دخولهم المدينة، لذلك فضّلت شراء ما أستطيع من القرى القريبة، رغم أن الأسعار فيها أعلى أحيانًا”. وتشير شهادات عدد من الأهالي إلى أن المخاوف لا تقتصر على طول الانتظار على الحواجز، بل تمتد لتشمل القلق من الاستدعاءات أو الملاحقات الأمنية، في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها المحافظة بعد تغيّر خريطة السيطرة في أجزاء واسعة منها.
طرق أطول وأسعار أعلى
إلى جانب العامل الأمني، يبرز عامل اقتصادي يتمثل في الارتفاع المتزايد للأسعار، الذي يثقل كاهل السكان ويحدّ من قدرتهم الشرائية. أفاد أحد تجار الجملة في سوق الحسكة بأن تكلفة نقل البضائع ارتفعت خلال الأسابيع الماضية، بسبب اضطرار الشاحنات إلى سلوك طرق أطول لتجنب بعض النقاط أو نتيجة إغلاق طرق مباشرة كانت تستخدم سابقًا.
وقال التاجر، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن “السيارات التي تدخل المواد الغذائية إلى المدينة تسلك مسارات أطول وأكثر كلفة، ما ينعكس على سعر السلعة النهائي”، مشيرًا إلى أن بعض التجار اضطروا إلى رفع الأسعار بنسب متفاوتة لتغطية فروقات النقل والمخاطر. وبحسب جولة في السوق، تراوحت أسعار السلع الأساسية بين ارتفاعات طفيفة وأخرى ملحوظة، خصوصًا في المواد المستوردة أو التي تعتمد على النقل من محافظات أخرى.
تأخر الرواتب وتراجع السيولة
عامل آخر يسهم في الركود لا يقل أهمية يتمثل في تأخر صرف الرواتب لعدد من الموظفين في قطاعات مختلفة، إضافة إلى توقف بعض الدوائر عن العمل خلال الفترة الماضية، ما انعكس على تراجع السيولة النقدية لدى شريحة واسعة من السكان. خالد، موظف في إحدى الدوائر الخدمية المغلقة، قال إنه لم يتقاضَ راتبه منذ أشهر، ما جعله يؤجل شراء كثير من مستلزمات رمضان.
وأضاف خالد: “كنا نخطط لشراء مؤونة الشهر دفعة واحدة كما اعتدنا، لكن الوضع المالي لا يسمح، نشتري فقط الضروريات وبكميات قليلة”. ويؤكد عدد من الأهالي أن القدرة الشرائية تراجعت بشكل واضح، في ظل ارتفاع الأسعار من جهة، وعدم انتظام الدخل من جهة أخرى، ما جعل الأولوية تقتصر على المواد الأساسية فقط، دون الكماليات التي كانت تشكل جزءًا من تقاليد الاستعداد لرمضان.
انعكاسات على أصحاب المحال
لم يقتصر تأثير الركود على المستهلكين، بل طال أصحاب المحال التجارية الذين يعوّل كثير منهم على موسم رمضان لتعويض فترات الركود خلال العام. رامي محمود، صاحب محل لبيع التمور والمكسرات، قال إن مبيعاته هذا العام “لم تتجاوز ربع ما كانت عليه في العام الماضي”، مضيفًا أن بعض الأصناف بقيت مكدّسة في المستودع بسبب ضعف الإقبال.
وأوضح رامي محمود: “رمضان كان موسمنا الأساسي، الناس تشتري التمر والمكسرات بكميات كبيرة، أما الآن فالطلب محدود جدًا، وغالبًا ما يقتصر على الكميات الصغيرة”. من جهته، أشار صاحب محل لبيع الألبسة إلى أن الحركة شبه معدومة، موضحًا أن “الأولوية لدى الناس للطعام فقط، أما الملابس فمؤجلة”، خاصة في ظل الغموض الذي يلفّ الأوضاع الأمنية والإدارية في المحافظة.
مقارنة بالسنوات الماضية
يستذكر تجار وأهالٍ في الحسكة مواسم سابقة كانت فيها الأسواق تعيش ذروة نشاطها قبل رمضان، حتى في ظل ظروف اقتصادية صعبة، معتبرين أن العامل الأمني الحالي لعب دورًا مضاعفًا في كبح الحركة. ففي السنوات الماضية، ورغم تراجع قيمة الليرة السورية وارتفاع الأسعار، بقيت الأسواق تشهد حركة نشطة مدفوعة برغبة الأهالي في الحفاظ على طقوس الشهر، لكن هذا العام تبدو الأولويات مختلفة، مع تركيز أكبر على الأمان والاستقرار.
مرحلة انتقالية وتحديات معيشية
تعيش محافظة الحسكة مرحلة انتقالية مع إعادة ترتيب المشهد الإداري والأمني في أعقاب التطورات العسكرية الأخيرة، وهو ما ينعكس مباشرة على الحياة اليومية للسكان، بما في ذلك النشاط التجاري. ويرى مرتادون للأسواق أن استقرار الأسواق مرتبط باستقرار الأوضاع الأمنية وفتح الطرق بين الريف والمدينة بشكل منتظم، إضافة إلى انتظام صرف الرواتب وإعادة تشغيل الدوائر المتوقفة.
في هذا السياق، قال عبد الله العلي وهو أحد وجهاء المدينة إن “الناس يحتاجون إلى شعور بالأمان أولًا، ثم إلى استقرار في الدخل”، معتبرًا أن أي تحسن في هذين العاملين سينعكس سريعًا على حركة السوق. مع اقتراب حلول رمضان، يبدو أن الاستعدادات في الحسكة تسير هذا العام بوتيرة أبطأ، وبتوقعات أكثر حذرًا، في ظل ظروف مركبة تجمع بين التحديات الأمنية والاقتصادية.
ورغم ذلك، يؤكد كثير من الأهالي تمسكهم بطقوس الشهر قدر الإمكان، حتى لو اقتصر الأمر على الحد الأدنى من المستلزمات. نجوى محمد لخّصت المشهد بقولها: “رمضان سيأتي سواء كان السوق مزدحمًا أم لا، المهم أن يعمّ الأمان، وأن تتحسن الأحوال”، في إشارة إلى أولوية الاستقرار على أي مظاهر أخرى. وبين المحال شبه الخالية من المتسوقين، وأصوات الباعة الذين ينتظرون زبائنهم، تبدو أسواق الحسكة مرآة لحالة عامة تعيشها المحافظة، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية بالمعيشية، لتعيد رسم مشهد رمضان هذا العام بطابع مختلف عن كل ما سبقه.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي