رمضان بلا أمل: موظفون سوريون يواجهون شبح الفصل وتأخر الرواتب


هذا الخبر بعنوان "بين تأخر الرواتب والفصل: موظفون يدخلون رمضان بلا دخل واضح" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قبل ثلاثة عشر يوماً فقط من حلول شهر رمضان، وفي لحظة كانت تستعد فيها لدخول عيادة الطبيب لمتابعة علاجها من السرطان، تلقت إسعاف قرار فصلها من العمل عبر رسالة واتساب قصيرة ومفاجئة، نصها: «أنت فائض، لا تداومي بعد اليوم».
بهذه الطريقة، فقدت السيدة الخمسينية، العاملة في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بحماة، مصدر دخلها الوحيد، بعد سنوات طويلة من الخدمة والمعاناة مع المرض والخسائر المتراكمة. تروي لـسناك سوري كيف تحول وضعها فجأة إلى «فائض» لا مكان له في العمل.
تنحدر إسعاف من بلدة التمانعة في خان شيخون، وقد عملت كمستخدمة بعد رحلة طويلة من الأعمال المؤقتة لتأمين لقمة العيش لها ولوالدتها المقعدة. لم تتزوج قط، وكانت أسرتها تعتمد كلياً على دخلها المحدود. تقول: «الحالة على قدها، اشتغلت بكل شي لنعيش».
بعد نزوحها من إدلب إلى حماة، عملت لثلاث سنوات في روضة أطفال تابعة لـالاتحاد النسائي. تعيش حالياً مع والدتها في غرفة مستأجرة، وقد تهدم منزل عائلتها في القرية بالكامل، مما يحول دون عودتها أو ترميمه.
لاحقاً، وبعد حل الاتحاد النسائي، تم فرزها للعمل في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل. بعد شهرين فقط من مباشرتها في عام 2018، أصيبت بالسرطان. حاول مديرها ومعاونه حينها مراعاة وضعها الصحي، فنُقلت إلى عمل أخف، واستمرت في وظيفتها طوال سبع سنوات من العلاج الكيماوي والتحاليل والفحوصات الباهظة التكاليف. تقول: «كل ثلاثة أشهر تحاليل وصور بالملايين، حاولت أعمل جمعيات من راتبي لأغطي شوي من العلاج».
توضح إسعاف أن دواءها يتغير باستمرار، وكل مرة يكون أغلى من سابقه، مشيرة إلى أن «آخر مرة 20 حبّة سعرهم 150 دولار، ضليت أيام من دون دوا لحتى ولاد الحلال ساعدوني». وتؤكد أنها لم تنقطع عن الدوام رغم مرضها، لكن بعد تغيير الإدارة، باءت محاولاتها لمقابلة المدير الجديد أو الوصول إلى الوزيرة بالفشل.
تضيف بحسرة: «معنوياتي تدمرت… وأنا محتاجة نفسيتي تكون منيحة لواجه مرضي». قبل ثلاثة أشهر، فقدت والدتها، وباتت وحيدة تماماً بعد وفاة والدها منذ ثلاثين عاماً، قائلة: «ما عندي غير الله». رُفض طلبها لمقابلة المدير، وأُبلغت شفهياً بأنه لا مكان لها في العمل، حيث قال لها معاون المدير: «ما في مجال، أنتِ مالك شغل عنا». كان راتبها، رغم محدوديته، بمثابة ستر لها: «كنت أعمل جمعيات، أقدر أمّن دواي. هلأ بلا راتب رح موت، ما عندي مورد تاني».
دوام إلزامي وديون متراكمة
على بعد أيام قليلة من حلول شهر رمضان، يجد محمد، 36 عاماً من حلب، والموظف منذ عشرة أعوام، نفسه في مأزق حقيقي. لم يتقاضَ راتبه منذ ثلاثة أشهر، ولا يوجد موعد واضح للصرف، وقد استنفدت الديون كل ما لديه.
يقول محمد لـسناك سوري إن آخر راتب تقاضاه كان عن شهر تشرين الثاني، ومنذ ذلك الحين لم يتلقَّ هو وزملاؤه أي أجر، ولا حتى إجابة شافية عن موعد الصرف. يضيف والد الطفلين الصغيرين: «نعيش على الدين من القريب والغريب، لكن الوضع ما عاد يحتمل، وما ضل حدا نتدين منو أساساً».
يعمل محمد في مؤسسة كانت تُعرف سابقاً باسم الإسكان العسكري، ثم تغير اسمها بعد سقوط النظام السابق إلى البناء والتشييد، وانتقلت تبعيتها من وزارة الدفاع إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان. لكن هذا التغيير في الاسم والمرجعية، بحسب الموظفين، لم يرافقه أي وضوح إداري أو مالي.
في المؤسسة، يُقال للموظفين إن الراتب سيُصرف «اليوم أو بكرا»، بينما يُفرض عليهم دوام إلزامي مع تشديد على المواعيد ومراقبة الحضور. يعبر محمد عن معاناته قائلاً: «ما معي حق مازوت، وعندي ولدين صغار حاولت أدور على شغل، بس ما لقيت غير صباحي براتب قليل، وإذا اشتغلت فيه رح اخسر وظيفتي وبأي لحظة ممكن يقولولي فيه الله معك لأن الشغل بالقطاع الخاص ليس مضموناً».
فائض بلا أجر ولا قرار
في اللاذقية، تروي نبال، 40 عاماً، قصة لا تختلف كثيراً، بل تبدو أكثر تعقيداً. نبال موظفة في شركة الإنشاءات العسكرية، تاريخ مباشرتها يعود إلى 28 تشرين الأول 2011، وآخر راتب تقاضته كان عن شهر آذار 2025.
تقول نبال لـسناك سوري: «كل ما نسأل عن وضعنا ورواتبنا بيقولوا ما في شي جديد، نحن فائض». تحمل نبال إجازة في اللغة العربية، وعملت في التدقيق اللغوي ضمن القسم الإداري، ثم كنائب رئيس قسم في مكتب السكن. اليوم، تجد نفسها ضمن ما يزيد على 2000 موظف وموظفة صُنفوا «فائضاً» بعد الدمج، دون أن يكونوا مفصولين نهائياً، أو قادرين على العمل، أو متقاضين لأي أجر.
تشرح نبال أن وضعها المعيشي تدهور تدريجياً، خاصة بعد أن فقدت منزلها في الزلزال، وكان راتبها رغم قلته يكفي على الأقل لدفع إيجار البيت في القرية التي تعيش بها بريف اللاذقية. تضيف: «لحد الآن وضعنا مو واضح، بيخبرونا أنه كف راتب حتى بيان الوضع وناطرين».
نبال أم لطفلة في الصف الأول، وتوأم بعمر سنتين ونصف. زوجها كان يعمل معها ولديه خدمة منذ عام 2012، لكنه اليوم بلا عمل ثابت أيضاً. تقول: «نحن عقود سنوية، صنفونا فائض وأخبرونا أننا لسنا مفصولين بشكل نهائي لكن بأي لحظة ممكن يطلع قرار إنهاء الصك».
أزمة تتجاوز مؤسسة واحدة
إن مشكلة تأخر الرواتب للموظفين المثبتين، وفصل أو تعليق العقود السنوية، لا تقتصر على مؤسسة البناء والتشييد وحدها، بل تبدو اليوم ظاهرة أوسع تعاني منها مؤسسات عامة أخرى. يجد العاملون أنفسهم عالقين بين دوام إلزامي ودخل غائب.
في شركة غزل جبلة، تقول ناديا إنها لم تتقاضَ راتبها منذ عدة أشهر، ورغم ذلك تواصل الدوام بشكل يومي خشية فقدان عملها، موضحة لـسناك سوري: «ما فينا نغيب، الغياب يعني خسارة الشغل، حتى لو الراتب مو موجود».
حال ناديا يتقاطع مع حال ناهدة، العاملة في مؤسسة الريجة، والتي مضت خمسة أشهر على تقاضيها آخر راتب. توضح ناهدة لـسناك سوري أنها اضطرت للعمل في وظيفة أخرى أونلاين بدوام جزئي لتأمين الحد الأدنى من المصروف اليومي لها ولعائلتها. تقول ناهدة: «في البيت عندي أخت واثنين من إخوتي، كلنا يا مفصولين من الشغل، يا ما عم نقبض رواتبنا بسبب التأخير»، مضيفة أن الاعتماد على دخل بديل لم يكن خياراً، بل ضرورة فرضها الواقع.
وبحسب موظفين في أكثر من مؤسسة عامة، فإن قرارات الدمج وتصنيف «الفائض» تُطبق دون أن تترافق مع آليات واضحة تضمن استمرارية الرواتب أو بدائل معيشية مؤقتة للعاملين.
وفي ظل غياب قرارات واضحة أو جداول زمنية معلنة لمعالجة ملف الرواتب والعقود، يبقى آلاف العاملين في القطاع العام أمام انتظار مفتوح، تتآكل خلاله قدرتهم على الصمود، فيما تتحول الرواتب من حق شهري إلى وعد غير محدد الموعد.
يُذكر أنه وبعد سقوط النظام السابق، أعلنت الحكومة الجديدة عن منح العديد من الموظفين إجازات مأجورة لمدة 3 أشهر تحت اسم «إعادة الهيكلة»، وتم تمديدها لمرتين قبل أن تعلن الأمانة العامة لشؤون مجلس الوزراء عن عودتهم لدوامهم الرسمي في قرار صادر صيف العام الفائت، جاء فيه أيضاً عدم التمديد للعقود المؤقتة إلا ضمن ضوابط معينة. ومنذ ذلك الحين، صدرت العديد من قرارات الفصل التي طالت عمال وعاملات عقود، بعضهم أمضى أكثر من 15 عاماً في الخدمة الوظيفية وخرج منها دون أي حقوق ودون أن يتعلم أي مهنة أو عمل آخر.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي