عفيف أغا: فينيق النحت السوري المعاصر.. رحلة فنان يحول قسوة الحجر إلى لغة شاعرية


هذا الخبر بعنوان "“عفيف أغا” صائغ الحجر وفينيق النحت السوري المعاصر" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في المشهد الفني التشكيلي السوري، يبرز اسم النحات عفيف أغا كأحد أبرز الفنانين الذين نجحوا في تحويل قسوة المادة إلى لغة شاعرية نابضة بالحياة. بين الحجر والخشب والرخام والأونكس، لا يتعامل أغا مع الخامة بوصفها كتلة جامدة، بل كجسد حي يخفي داخله روحًا تنتظر من يحررها. لذلك، لم يكن لقبه "صائغ الحجر" مجرد توصيف بلاغي، بل تعبيرًا دقيقًا عن حرفيته العالية ودقته المتناهية في صياغة التفاصيل، حتى بدت منحوتاته أقرب إلى مجوهرات نُقشت في الصخر.
عفيف أغا: الإنسان قبل الفنان
قبل أن يُذكر اسم عفيف أغا كنحات تشكيلي بارز، يُعرف كإنسان خلوق، مهذب، ومحبوب من الجميع. من يعرفه عن قرب أو يلتقي به للمرة الأولى يلاحظ تواضعه وهدوء حضوره واحترامه للآخرين. فهو قريب من أصدقائه، بسيط في تعامله، وصادق في مشاعره، ويترك أثرًا إنسانيًا جميلًا في كل مكان يحل فيه. لا يتعامل مع الفن كوسيلة للظهور أو الاستعراض، بل كقيمة أخلاقية ورسالة إنسانية تنبع من شخصيته قبل أن تتجلى في أعماله. لهذا، يشعر من يقترب من تجربته أن خلف المنحوتة إنسانًا يشبه أعماله في نقائها وصدقها، وفي سعيها الدائم إلى الجمال الداخلي قبل الشكل الخارجي.
الجذور والبدايات: من أوغاريت إلى المعاصرة
يستند مشروع عفيف أغا الفني إلى ذاكرة المكان السوري وإلى الإرث الحضاري الذي تمثله حضارة أوغاريت الفينيقية، بما تحمله من رموز وأساطير مرتبطة بالبحر والخصب والإنسان الأول. غير أن الفنان لا يستدعي الماضي كشكل جاهز، بل يعيد قراءته بلغة معاصرة، محولًا الرمز الأسطوري إلى أداة تفكير في قلق الإنسان الحديث وأسئلته الوجودية. تعود بداياته الفنية إلى علاقة مبكرة بالطبيعة، إذ شكل البحر والحصى والأشكال الصغيرة منطلقًا أوليًا لتجربته، قبل أن تتطور أدواته وخاماته ليصل إلى النحت الاحترافي على الحجر والخشب والمعادن. وقد عُرف في بداياته بإنجاز منحوتات صغيرة شديدة الدقة تحتاج أحيانًا إلى التمعن في تفاصيلها، ما يعكس مبكرًا حسه الحرفي وقدرته على التعامل مع أدق المساحات.
فلسفة العمل: الغوص في الذات وحوار المادة والروح
تتمحور تجربة أغا حول الغوص في الذات بوصفه مسارًا معرفيًا وجماليًا. فالمنحوتة لديه ليست شكلًا زخرفيًا، بل مساحة تأمل تقيم حوارًا بين المادة والروح، وبين الكتلة والفراغ، والنور والظل. يرى الفنان في النحت وسيلة لتحرير الروح الكامنة داخل الخامة ونقلها من واقعيتها الصلبة إلى أفق تجريدي وتأملي يعبر عن قضايا الإنسان الوجودية. في أعماله، يحضر البحر رمزًا للعمق واللانهاية، فيما يتجسد الجسد الإنساني بصيغ مجردة أو تعبيرية ككائن معلق بين الانكسار والرغبة في الخلاص. هذا التوتر بين القسوة والليونة، وبين الثبات والحركة، هو ما يمنح أعماله طاقتها التعبيرية ويحول الصمت الكامن في الكتلة إلى نبض بصري محسوس.
الخامات والتقنيات: من الحصى إلى الحجر الضخم
يتنوع اشتغال عفيف أغا على الخامات بين الحجر والرخام والخشب والأونكس، وصولًا إلى البرونز في بعض الأعمال. وتتراوح أحجام منحوتاته من قطع صغيرة دقيقة إلى أعمال كبيرة يصل ارتفاعها إلى مترين، مع اهتمام واضح بتقنية تفريغ الكتلة من الداخل وإبراز العلاقة العضوية بين الداخل والخارج. يلاحظ المتلقي توازنًا محسوبًا بين الواقعية المبسطة والتعبيرية ثم التجريد، حيث لا ينفصل الشكل عن جذره الإنساني حتى في أكثر صيغه اختزالًا. هذا التدرج الأسلوبي يمنح تجربته مرونة بصرية ويجعلها قادرة على مخاطبة متذوق الفن العام كما الناقد المتخصص.
المعارض والمحطات: حضور محلي ورسالة عابرة للحدود
لم تبقَ تجربة عفيف أغا محصورة في الإطار المحلي، بل اتخذت بعدًا عربيًا ودوليًا حمل رسالة ثقافية وإنسانية واضحة. فقد شارك في معارض فردية وجماعية داخل سورية، وأسس في اللاذقية صالة عرض دائمة لأعماله، بما يشبه متحفًا صغيرًا يقدم خلاصة مسيرته وتحولاتها الأسلوبية. خارج سورية، شكل معرضه في بيروت بعنوان "بوح الحلم" محطة مهمة للتعريف بتجربته عربيًا، فيما مثل معرضه "فينيق الداخل" في كييف نافذة على حضور النحت السوري في الفضاء الأوروبي بوصفه جسرًا ثقافيًا بين الشرق والغرب. أما معرضه الأخير "العبور" في الشارقة، فقد قدم فيه أعمالًا من خشب الزيتون ركزت على ثيمة الرحلة الإنسانية والانتقال من الألم إلى الأمل.
القراءة النقدية: صمت ينطق وحوار مع الإنسان
تتفق القراءات النقدية والتغطيات الفنية على أن تجربة عفيف أغا تقوم على تحويل الصمت إلى شكل، وعلى بناء حوار بصري بين الإنسان والمادة. فالقيمة الفنية في أعماله لا تكمن في الحرفة وحدها، بل في القدرة على تحميل الكتلة الصامتة معنى إنسانيًا وتأمليًا، وعلى جعل المنحوتة قصة تُقرأ بقدر ما تُرى. كما تُلاحظ في تجربته معالجة لموضوعات اجتماعية وإنسانية مثل التفكك والاغتراب والبحث عن الهوية، وهو ما يظهر في بعض مجموعاته التي اشتغلت على فكرة الشتات والانفصال والعلاقة المعقدة بين الفرد ومحيطه. هذه الثيمات، حين تُصاغ في الحجر والخشب، تكتسب بعدًا رمزيًا مضاعفًا، إذ تتحول القسوة المادية إلى مرآة لثقل الأسئلة الوجودية.
خاتمة
يظل عفيف أغا فنانًا يبحث عن نبض الصمت في الكتلة، محولًا الحجر إلى لغة، والخشب إلى ذاكرة، والفراغ إلى مساحة تأمل. هو فينيق النحت السوري المعاصر، ينهض من رماد القسوة ليصوغ من المادة الصلبة حكاية إنسان لا يكف عن البحث عن ذاته ومعناه. مقالته البصرية لا تُقرأ بعين واحدة، بل تُصغي إلى ما تقوله الكتلة حين تُنطقها يد صائغ يعرف كيف يحول الصخر إلى قصيدة. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة