عفو أحمد الشرع العام: مرسوم يثير الجدل ويكشف تحديات بناء دولة القانون في المرحلة الانتقالية


هذا الخبر بعنوان "عفو عام "غير دستوري".. اختبار جديد لانهيار دولة القانون" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى محمد محمود هرشو أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في فكرة العفو العام بحد ذاتها، والذي أصدره الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بل في طريقة تطبيقه. ففي الدول التي تحترم القانون، يُعد العفو أداة استثنائية تُستخدم لإغلاق جراح الحروب الكبرى، وذلك وفق قواعد واضحة تبدأ بكشف الحقيقة، ثم المساءلة، وتليها تسوية مشروطة. لكن المرسوم الأخير لا يتماشى مع هذا النموذج، فهو ليس خطوة قانونية ناضجة، بل قرار سياسي ثقيل يكشف طبيعة الحكم القائم أكثر مما يفتح باباً للعدالة. إن فتح ملفات الخيانة والتخابر والتحريض والجرائم الأمنية بمرسوم واحد يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نحن بصدد بناء دولة، أم أن هناك سلطة تعيد صياغة القانون بما يتناسب مع مصالحها؟
في الدول الديمقراطية الحديثة، نادراً ما يُلجأ إلى العفو العام لأنه يمس جوهر العدالة وحقوق الضحايا. وعندما يُطرح، فإنه يخضع لنقاشات برلمانية مطولة ورقابة قضائية صارمة، لأن الدولة لا تملك حق التصرف بمصير المجتمع وكأنه ملكية خاصة. على النقيض من ذلك، تحول العفو العام في الأنظمة السلطوية إلى أداة سياسية كلاسيكية، يُستخدم لإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية، وتبييض ملفات حساسة، وصناعة شرعية جديدة بقرار فوقي. تاريخ المنطقة مليء بهذه النماذج، حيث استخدمت العديد من الأنظمة العسكرية والملكية العفو كـ"مكرمة" لا كمسار للعدالة، ومن بينها نظام الأسد. فالسلطة هي من تقرر من يستحق الغفران ومن يبقى خارج اللعبة، ليس وفق القانون بل وفق الحاجة السياسية. وما جرى اليوم يعيد إنتاج هذا الإرث بوضوح؛ مرسوم واسع يعلن أن الدولة تستطيع إعادة تعريف الجرائم نفسها متى شاءت.
الأخطر من ذلك أن المقارنة مع الماضي لا تصب في صالح السلطة الحالية. فحتى مراسيم العفو التي أصدرها النظام المخلوع، على الرغم من عيوبها وتسلطها، كانت تمر عبر مؤسسات قائمة ولو شكلياً، مثل مجلس الشعب والمحكمة الدستورية وبنية قانونية تمنح القرار غطاءً تشريعياً. أما اليوم، فقد اختفى حتى هذا الغطاء الهش. فلا مجلس يناقش، ولا رقابة تراجع، ولا مؤسسة تقف في وجه المرسوم. إنها سلطة انتقالية تتجاوز إعلانها الدستوري بقرار واحد، وتتصرف وكأنها المصدر الوحيد للقانون. هذه المقارنة لا تبرر الماضي، بل تدين الحاضر، فمن وعد بدولة قانون جديدة، سقط في أول اختبار عندما أصبح النص الدستوري عائقاً أمام قراراته.
اتساع المرسوم لا يكمن فقط في عدد مواده، بل في نوعية الجرائم التي شملها. فقد طال العفو مواد تتعلق بأمن الدولة الداخلي والخارجي، والتحريض على اقتطاع الأراضي، وإثارة النعرات، وبعض جرائم التخابر والتعامل مع جهات أجنبية. هذه ليست مخالفات هامشية، بل جرائم تُصنّف تقليدياً ضمن أخطر ما يهدد كيان الدولة. كما شمل تحويل عقوبات المؤبد إلى اعتقال مؤقت، وإسقاط أجزاء كبيرة من أحكام صدرت في ملفات سياسية وأمنية معقدة. وحتى الجرائم الاقتصادية الحساسة لم تكن بعيدة عن نطاق التسوية، ما يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: كيف يمكن الحديث عن بناء دولة جديدة بينما تُفتح أبواب العفو لجرائم تمس بنيتها السياسية والاقتصادية؟ وحين تتحول هذه الملفات إلى مجرد أرقام في مرسوم، فإن العدالة لا تُطبّق، بل يُعاد تعريفها.
في المقابل، بدت قائمة الاستثناءات طويلة: التعذيب الجسدي، الاتجار بالبشر، بعض الجرائم الجنسية، سرقة مكونات الكهرباء والاتصالات، والغش الامتحاني. ظاهرياً، تبدو هذه الخطوط محاولة لإظهار أن هناك حدوداً أخلاقية للعفو. لكن قراءة أعمق تكشف المفارقة، فالجرائم المستثناة هي تلك التي تمس صورة الدولة أو خدماتها المباشرة، بينما جرى التساهل مع جرائم سياسية وأمنية أثقل وزناً. هذا الانتقاء لا يعكس معياراً قانونياً بقدر ما يعكس أولويات السلطة من خلال حماية هيبتها أولاً، ثم إعادة تدوير من تحتاج إليهم ثانياً.
قدمت السلطة المرسوم بوصفه خطوة نحو المصالحة الوطنية، لكن المصالحة لا تعني إسقاط المسؤوليات بالجملة. فالعدالة الانتقالية تقوم على كشف الحقيقة والمحاسبة قبل أي تسوية. أما ما حدث فهو العكس تماماً: إغلاق واسع لملفات ثقيلة بقرار إداري سريع. هذا النهج لا يفتح باب الاستقرار، بل يخلق شعوراً عاماً بأن الجرائم الكبرى يمكن تسويتها بمرسوم. وفي بلد خرج من حرب طويلة، فإن أخطر ما يمكن ترسيخه هو فكرة أن القانون قابل للتفاوض، وأن العدالة ليست سوى بند يمكن تعديله وفق مصلحة المرحلة. وحين تُغلق الملفات السياسية والأمنية بهذه الطريقة، تتحول المصالحة إلى عملية إدارية لا إلى مسار وطني حقيقي.
الأخطر في المرسوم أنه يكشف غياب أي رادع فعلي أمام السلطة. فلا مجلس تشريعي يناقش، ولا محكمة دستورية تراجع، ولا آلية مساءلة تمنع تجاوز الصلاحيات. وحتى الإعلان الدستوري الذي يفترض أنه المرجعية العليا لم يكن كافياً لمنع إصدار قرار بهذا الحجم. هذه ليست مجرد ثغرة قانونية، بل مؤشر على نمط حكم يتشكل بسرعة، عبر سلطة ترى نفسها فوق النصوص، وتتعامل مع القانون كأداة لإدارة اللحظة، لا كحدٍّ يقيدها. وعندما تصل السلطة إلى هذه المرحلة، يصبح الحديث عن دولة المؤسسات مجرد ديكور لغوي لا أكثر.
بعيداً عن الخطاب الرسمي، يحمل المرسوم رسالة سياسية واضحة مفادها أنه لا يوجد حدّ قانوني يمنع السلطة من اتخاذ ما تراه مناسباً لتثبيت حكمها. إنها رسالة موجهة للداخل قبل الخارج، تقول إن المرحلة الانتقالية ليست انتقالاً حقيقياً بقدر ما هي إعادة تموضع للقوة. العفو هنا ليس أداة عدالة، بل إعلان سيطرة. الدولة لا تطلب شرعيتها من القانون، بل تمنح القانون شرعيته من إرادتها. وهذه المعادلة هي جوهر كل نظام سلطوي يعتقد أن بإمكانه التصرف بحقوق المجتمع كما يشاء.
قد يفتح المرسوم أبواب السجون لبعض الأشخاص، وقد يخفف معاناة عائلات عديدة. لكن الطريقة التي صدر بها، والجرائم التي شملها، والمقارنة مع تجارب المنطقة، تكشف حقيقة يصعب تجاهلها: العفو العام ليس دائماً خطوة نحو العدالة، بل قد يكون أداة لإعادة إنتاج السلطة. الدول التي تحترم نفسها لا تستخدم العفو العام لإدارة الصراعات السياسية، ولا تتجاوز نصوصها الدستورية عندما تصبح مزعجة. أما حين تصبح المراسيم بديلاً عن المؤسسات، والقانون مجرد تفصيل إداري، فإن الحديث عن دولة جديدة يتحول إلى سردية سياسية فارغة. في المحصلة، ليست المشكلة في العفو، بل في سلطة تثبت يوماً بعد يوم أنها بلا رادع قانوني أو دستوري. وعندما يحدث ذلك، لا يعود السؤال ماذا شمل العفو، بل ما الذي سيمنع صدور المرسوم الأخطر القادم؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة