الساعة الرملية: استعارة خالدة للزمن المتدفق وفلسفة الوجود الإنساني


هذا الخبر بعنوان "الساعة الرملية..إنسكاب الزمن حبةً..حبةً : حاضرة في الوعي الانساني واستعارة كبرى للوجود نفسه" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: علي نفنوف
تتجاوز الساعة الرملية كونها مجرد أداة بدائية لقياس الزمن، لتصبح مرآة صامتة تعكس رحلة الإنسان في هذا الوجود. تقف بين أيدينا ككائن شفاف نرى فيه انسكاب العمر حبةً حبةً، في صمت مهيب لا يعلن نهايته إلا حين يفرغ الجوف العلوي ويستقر الرمل في القاع، معلناً أن لحظة ما قد عبرت ولن تعود.
لم يعرف التاريخ اسماً واحداً يمكن نسب اختراع الساعة الرملية إليه، فقد ولدت هذه الأداة من رحم الحاجة الإنسانية إلى فهم الزمن وضبط إيقاعه. تطورت عبر القرون حتى ظهرت بصورتها المعروفة في أوروبا في العصور الوسطى، حيث استخدمت على السفن وفي الكنائس وفي الورش والمنازل. كانت رفيقة البحارة في أسفارهم الطويلة، ومرشدة الوعاظ في تحديد زمن الخطب، وشاهدة صامتة على صبر الطهاة وهم ينتظرون نضج الطعام.
كانت الساعة الرملية بسيطة في بنيتها، عظيمة في رمزيتها. تعمل بالجاذبية وحدها، فلا تحتاج إلى قوة خارجية ولا إلى صوت يعلن مرور اللحظة، بل تترك للرمل أن يؤدي مهمته بهدوء منتظم. وكأن الزمن نفسه ينساب عبر عنق ضيق لا يلتفت إلى استعجال البشر ولا إلى رجائهم في التوقف أو العودة. ومن هنا نشأت فلسفتها العميقة، إذ تحولت من أداة قياس إلى رمز للزمن الذي لا يعود، وللعمر الذي يتناقص، وللفرص التي تتسرب من بين الأصابع كما تتسرب حبات الرمل من زجاج شفاف. وكل حبة تسقط هي لحظة من حياة الإنسان لا يمكن استعادتها. وحين تنقلب الساعة، يبدأ زمن جديد، وكأنها تهمس للروح بأن لكل نهاية إمكانية بداية أخرى، وأن للانتهاء وجهاً آخر من وجوه التجدد.
في الصور واللوحات الفنية، حضرت الساعة الرملية بوصفها إشارة إلى فناء العمر وقصر الرحلة الأرضية. وكثيراً ما رافقتها الجمجمة أو ظل إنسان يتأملها في صمت، لتصبح علامة على الوعي بالزمن والخوف من انقضائه، وعلى تلك العلاقة الغامضة بين الحياة والموت، وبين الحضور والغياب. وفي الفن، كانت الساعة الرملية تضع الإنسان وجهاً لوجه أمام مصيره بلا خطاب ولا موعظة.
وفي عالم الأحلام، تظهر الساعة الرملية كرمز داخلي للقلق من ضياع الوقت، أو الخوف من تأخر ما ينتظر، أو الشعور بأن الفرصة توشك أن تنفد. وقد تكون إشارة إلى رغبة دفينة في قلب الزمن والعودة إلى لحظة فائتة، أو البدء من جديد قبل أن ينتهي كل شيء. فالحلم هنا لا يقدم تنبؤاً، بل يعكس حالة نفسية يعيشها الحالم في وعيه أو لا وعيه.
أما في الأسطورة والأدب، فقد ارتبطت الساعة الرملية بصورة الزمن والموت والقدر، وظهرت في يد شخصيات رمزية تمثل النهاية المحتومة أو العد التنازلي للحياة. وكأن البشرية منذ بداياتها كانت تبحث عن صورة تجسد ذلك العدو الهادئ الذي لا يرى ولا يسمع لكنه يحكم كل شيء.
في الشعر والأدب، استلهم كثير من الشعراء والكتاب رمزية الساعة الرملية حتى حين لم يذكروها صراحة. فقد كتب شكسبير عن الزمن الذي يسرق الجمال ويهزم الشباب، وكتب جون دن عن اقتراب النهاية وفناء الجسد، واستحضر بودلير قلق اللحظة العابرة وهشاشة العمر. وفي الأدب العربي، تجلت فكرة الزمن الراحل والفقد والذاكرة في نصوص كثيرة حملت روح الساعة الرملية دون أن تنطق باسمها. وفي الأدب الحديث، عادت الساعة الرملية في قصص الخيال والفانتازيا كأداة سحرية تعيد الزمن أو تمنح فرصة ثانية، لكنها في جوهرها كانت تكرر السؤال ذاته: ماذا نفعل حين نمتلك القدرة على قلب الساعة؟ وهل تتغير حياتنا حقاً أم نكرر الأخطاء ذاتها بوجه جديد؟
وهكذا، تبقى الساعة الرملية حاضرة في الوعي الإنساني أكثر من كونها أداة زمنية؛ إنها استعارة كبرى للوجود نفسه. تعلمنا أن الزمن ليس عدواً مرئياً بل صديق صامت يرافقنا حتى النهاية، وأن كل لحظة تمر ليست خسارة بالضرورة، بل إمكانية أن نعي قيمة اللحظة التالية قبل أن تسقط هي الأخرى في القاع. (موقع:أخبار سوريا الوطن١)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة