الحسكة: توحيد التعليم بعد سنوات الانقسام.. تحديات دمج المناهج وردم الفجوات


هذا الخبر بعنوان "الحسكة تواجه تحديات بينها توحيد الكتاب وردم الهوة بعد انقسام" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة الحسكة، بحسب تقرير لـ"عنب بلدي"، مرحلة مفصلية في قطاع التعليم، وذلك عقب سيطرة الجيش السوري مؤخرًا على مساحات واسعة من ريف المحافظة، وتراجع نفوذ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) إلى مراكز المدن ومحيطها. وقد توّج هذا التطور بتوقيع اتفاق في كانون الثاني الماضي، يقضي بدمج العملية التعليمية في الحسكة ضمن المنظومة التربوية الرسمية التابعة لوزارة التربية في الحكومة السورية.
جاء هذا الاتفاق في سياق تفاهمات أوسع بين دمشق و"قسد" لإعادة تنظيم القطاعات الخدمية، ليضع حدًا نظريًا لسنوات من الازدواجية التعليمية التي عانت منها المحافظة. فخلال تلك الفترة، كانت المدارس منقسمة بين مناهج صادرة عن وزارة التربية في دمشق، وأخرى اعتمدتها "الإدارة الذاتية" منذ عام 2016، في ظل غياب اعتراف رسمي متبادل، مما أثر سلبًا على الطلاب وأسرهم.
منذ توسع سيطرة "الإدارة الذاتية" في شمال شرقي سوريا، برز واقع تعليمي مزدوج في الحسكة، لا سيما في مدينتي القامشلي والحسكة. استمرت مدارس "المربعات الأمنية" سابقًا بتدريس المنهاج الحكومي، بينما تبنت غالبية المدارس الأخرى مناهج خاصة بـ"الإدارة الذاتية"، تضمنت مواد باللغة الكردية والسريانية، إلى جانب تعديلات على مناهج التاريخ.
عمّق هذا الانقسام حالة الإرباك لدى الأهالي، حيث وجد كثيرون أنفسهم أمام خيارين صعبين: إما تسجيل أبنائهم في مدارس بمناهج غير معترف بها خارج مناطق "الإدارة الذاتية"، أو تحمل أعباء النقل والتكاليف لإلحاقهم بمدارس تدرّس المنهاج الحكومي في مناطق محدودة. عليا أحمد، معلمة من مدينة الحسكة، صرحت لـ"عنب بلدي" بأن "أبناء الحي الواحد كانوا يدرسون مناهج مختلفة، وبعضهم لا يستطيع التقدم لامتحانات الشهادتين الإعدادية أو الثانوية العامة إلا بعد معادلات معقدة"، مضيفة أن "الطالب كان يدفع ثمن الخلاف السياسي، بينما مستواه العلمي يتراجع عامًا بعد عام".
مع تقدم الجيش السوري في ريف الحسكة الجنوبي والغربي، وبدء إجراءات استعادة مؤسسات حكومية عدة، برز ملف التعليم كإحدى أبرز القضايا الخلافية. وفي كانون الثاني الماضي، أُعلن عن اتفاق يقضي بدمج "هيئات التربية" التابعة لـ"قسد" ضمن هيكلية وزارة التربية السورية، مع تشكيل لجان مشتركة للإشراف على الانتقال التدريجي. مدير مدرسة في ريف القامشلي (فضّل عدم نشر اسمه) أشار إلى أن "المرحلة الحالية انتقالية، وهناك محاولات لتلافي أي صدمة للطلاب، خاصة في الصفوف الانتقالية"، مرجحًا تأجيل هذه الخطوات إلى العام الدراسي المقبل.
في الأرياف التي دخلتها القوات الحكومية حديثًا، يتضح حجم التدهور في البنية التحتية التعليمية. ففي ريف الحسكة الجنوبي، خصوصًا في محيط الشدادي والهول، تعاني مدارس عدة من أضرار جزئية أو كلية نتيجة سنوات من الإهمال. عبد اللطيف الخالد، مزارع من ريف الحسكة الجنوبي، ذكر أن مدرسة القرية "تضررت مرافقها بالكامل نتيجة مواجهات عسكرية خلال سنوات سابقة، فيما كانت عمليات الترميم شكلية من قبل (هيئة التعليم) في (قسد)". وأضاف أن أبناءه "عادوا إلى الدوام بعد سيطرة الجيش عليها، لكنهم يجلسون على مقاعد مكسرة، وبعض الصفوف بلا مقاعد أو أبواب أو نوافذ". وتشير تقديرات محلية إلى أن عشرات المدارس في الريف بحاجة إلى صيانة عاجلة، في ظل ضعف الإمكانات المالية، وغياب تدخلات دولية واسعة حتى الآن، خاصة بعد إعادة ترتيب السيطرة الإدارية في المنطقة.
على الرغم من الترحيب الحذر باتفاق دمج التعليم، يخشى أهالٍ من أن تؤدي مرحلة الانتقال إلى فجوة تعليمية جديدة، خاصة للطلاب الذين درسوا لسنوات وفق مناهج "الإدارة الذاتية"، ويحتاجون اليوم إلى التكيف مع مناهج مختلفة من حيث المحتوى والآليات الامتحانية. ريم، وهي أم لطالب في الصف التاسع بمدينة الحسكة، قالت إن ابنها "درس التاريخ والجغرافيا بطريقة مختلفة تمامًا، والآن سيطلب منه حفظ مقررات جديدة استعدادًا لامتحان الشهادة الإعدادية"، مضيفة أن الأسرة "اضطرت لتسجيله في معهد خاص لتعويض الفاقد التعليمي". في المقابل، يرى آخرون أن توحيد المناهج خطوة ضرورية لضمان مستقبل أبنائهم الجامعي والمهني. سركيس، موظف من القامشلي، قال إن "الاعتراف الرسمي بالشهادات هو الأهم، لأن الطلاب بحاجة إلى متابعة دراستهم في جامعات سورية أو خارج البلاد دون عراقيل".
خلال السنوات الماضية، دافعت "الإدارة الذاتية" عن مناهجها باعتبارها "تعكس التنوع الثقافي" في الجزيرة السورية، وتمنح اللغات المحلية مساحة أوسع، غير أن غياب الاعتراف الرسمي بهذه الشهادات خارج مناطق سيطرتها حدّ من فرص الطلاب، خاصة الراغبين في متابعة دراستهم خارج المحافظة. اليوم، ومع انحسار سيطرة "قسد" داخل المدن، فإن ملف المناهج يتجه نحو الحسم لمصلحة المنظومة الحكومية، مع الإبقاء على تعليم اللغة الكردية، ضمن أطر تنسقها وزارة التربية. ماهر ع.، معلم من مدينة الحسكة، قال لـ"عنب بلدي" إن "التحدي ليس فقط في توحيد الكتاب المدرسي، بل في ردم الهوة النفسية بين الطلاب الذين عاشوا انقسامًا طويلًا"، مضيفًا أن "إعادة الثقة بالمدرسة تحتاج إلى استقرار إداري، ودعم مادي، ورسالة واضحة بأن التعليم خارج التجاذبات السياسية".
تركت سنوات الحرب والانقسام آثارًا واضحة على معدلات التسرب المدرسي، خصوصًا في الأرياف. ففي بعض القرى، اضطر أطفال للعمل في الزراعة أو الورشات لتأمين دخل إضافي للأسر، في ظل الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة. شهلة الحسين، من ريف الحسكة الغربي، قالت إن ابنها (14 عامًا) "توقف عن الدراسة منذ عامين"، مضيفة أن الأسرة "تفكر بإعادته مجددًا إلى التعليم إذا تحسنت الظروف". ويرى تربويون عديدون التقتهم "عنب بلدي" داخل الحسكة أن معالجة التسرب تتطلب برامج دعم نفسي وتعليمي، ودورات تعويضية للطلاب المنقطعين، إضافة إلى تحسين البيئة المدرسية، وتأمين مستلزمات التعليم الأساسية.
بحسب علي الجدي، وهو موجه تربوي متقاعد، فعلى الرغم من أن اتفاق كانون الثاني الماضي شكّل نقطة تحول في ملف التعليم بالحسكة، فإن نجاحه يبقى مرهونًا بقدرة الجهات المعنية على:
في محافظة عانت طويلًا من الإهمال والانقسام، يبدو أن توحيد المنظومة التعليمية خطوة أولى على طريق طويل لإعادة بناء الثقة بالمدرسة كمؤسسة جامعة، بعيدًا عن الاستقطابات السياسية. وبين آمال الأهالي بعودة الاستقرار التعليمي، ومخاوفهم من تعثر التنفيذ، يبقى مستقبل آلاف الطلاب في الحسكة مرتبطًا بمدى جدية الأطراف في تحويل الاتفاقات إلى واقع ملموس داخل الصفوف الدراسية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي