الرقة في طابور الغاز: تناقض بين وفرة التوريد وندرة السوق... كيف تُصنع الأزمة؟


هذا الخبر بعنوان "مدينة كاملة في طابور … كيف اختفت أسطوانة الغاز رغم وصولها يوميًا ؟" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد مدينة الرقة ازدحاماً غير مسبوق أمام نقاط توزيع الغاز، حيث يقف عشرات السكان لساعات طويلة في طوابير ممتدة للحصول على أسطوانة غاز واحدة. لم تعد هذه الطوابير مشهداً استثنائياً، بل باتت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية في المدينة، وذلك على الرغم من دخول ما يقارب ثلاثين ألف أسطوانة غاز يومياً إلى الرقة. هذا التناقض الصارخ بين حجم الكميات الواردة وحجم الازدحام يشير بوضوح إلى أن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص التوريد، بل في الآلية المتبعة لطرح المادة داخل السوق.
وفقاً لمعلومات خاصة، يحصل التاجر ح.ر على أسطوانة الغاز بتكلفة تقارب 9.5 دولار أمريكي. في سنوات سابقة، كانت الأسطوانة بوزن 21 كجم تُباع بنحو 25 دولاراً، وذلك في ظل سيطرة شبه كاملة على عمليات التوريد والتوزيع. لاحقاً، ومع دخول جهة عامة إلى السوق وطرحها لكميات منافسة، توفرت المادة بشكل أكبر وتراجع السعر، لتُباع الأسطوانة بوزن 24 كجم بين 10.5 و11.5 دولار، مما أظهر أن السعر كان مرتبطاً بشكل وثيق بدرجة المنافسة في السوق أكثر من ارتباطه بتكلفة الاستيراد الفعلية. أما اليوم، فتُطرح الأسطوانة للمواطن بسعر يتراوح بين 12 و15 دولاراً، على الرغم من بقاء كلفة الشراء ضمن الحدود نفسها تقريباً.
تفيد مصادر محلية بأن الكميات الواردة لا تُطرح كاملة في نقاط البيع المباشر المخصصة للمواطنين. بدلاً من ذلك، تُضخ أجزاء محدودة فقط، وهي كميات تكفي لإبقاء الطوابير قائمة، مما يوحي بوجود نقص. أما القسم الأكبر من الغاز فيُوجَّه إلى تجار محددين يتحكمون بسعر السوق. هذه الآلية المتبعة تخلق نقصاً ظاهرياً دون وجود نقص فعلي في المادة، وتحوّل أسطوانة الغاز إلى سلعة تخضع لشبكة توزيع مغلقة تبدأ من المصدر وتصل حتى نقطة البيع. وبهذه الطريقة، لا يتم رفع الأسعار رسمياً، لكنه يتحقق عملياً عبر السوق الثانوية (السوق السوداء)، حيث يضطر المواطن للشراء بالسعر الأعلى بعد نفاد الكميات المطروحة بشكل مباشر.
بعد إغلاق الجهة العامة التي كانت تطرح كميات منافسة في السوق، فقدت الرقة عامل التوازن الوحيد الذي كان يحد من ارتفاع الأسعار، فعادت الطوابير للظهور وارتفعت الأسعار تدريجياً. تزامن ذلك مع زيادة الرسوم الجمركية من 1200 إلى 2500 دولار، وهو قرار شمل حتى البضائع التي كانت موجودة سابقاً، مما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية. كما ارتفع سعر برميل المازوت خلال فصل الشتاء من 90 إلى 190 دولاراً، الأمر الذي ضاعف تكاليف التدفئة والنقل والإنتاج، في بيئة اقتصادية يعاني فيها السكان من ضعف حاد في القدرة الشرائية.
لا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على صعوبة الحصول على أسطوانة غاز فحسب، بل تمتد لتؤثر على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمدينة بأكملها. فارتفاع أسعار الوقود بشكل عام يرفع كلفة الغذاء والنقل والعمل، بينما تؤدي الطوابير الطويلة إلى تعطيل يوم العمل وخسارة مصادر الدخل المحدودة للمواطنين. في الرقة اليوم، تحولت أسطوانة الغاز إلى مؤشر مباشر وحساس على وضع السوق المحلي العام. بين آلية توزيع مغلقة وارتفاع مستمر في التكاليف، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، ينتظر دوره في الطابور بينما تتزايد الأعباء المعيشية يوماً بعد يوم. أحمد السخني - زمان الوصل.
اقتصاد
اقتصاد
سياسة
اقتصاد