مرسوم العفو العام في سوريا: جدل قانوني ودستوري حول صلاحيات الرئيس الشرع ومخاوف تقويض العدالة


هذا الخبر بعنوان "هل خالف الرئيس الشرع الإعلان الدستوري بـ”العفو العام”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار مرسوم العفو الصادر عن الرئيس السوري أحمد الشرع، في الثامن عشر من شباط الحالي، موجة من النقاشات المحتدمة بين القانونيين والحقوقيين السوريين. تركز الجدل حول مدى قانونية ودستورية صدور هذا المرسوم عن سلطة انتقالية، وتزايدت التساؤلات بشأن شرعية إصدار عفو واسع بهذا الحجم.
عبّر محامون عن خشيتهم من أن تؤدي قرارات العفو الواسع إلى تقويض مسار العدالة والمحاسبة، خاصة في بلد خرج من صراع طويل. تركزت غالبية النقاشات حول المحاذير من شمول العفو لشخصيات النظام وأتباعه الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق السوريين.
بناءً على المرسوم، أصدر وزير العدل توجيهات إلى المحامين العامين لتطبيقه على الفور. وفي حلب، قام المحامي العام أحمد عبد الرحمن المحمد، بإصدار تعليمات للقضاة المختصين بالأمور الجزائية، من قضاة إحالة وجنايات وتحقيق ونيابة، لاتخاذ الإجراءات اللازمة أصولاً وتطبيق العفو بنصه مباشرة، انسجاماً مع توجيهات الوزارة وبهدف تحقيق العدالة والإنصاف ضمن الإطار القانوني.
باشرت العدليات تنفيذ أحكام المرسوم التشريعي “رقم 39” لعام 2026، الذي يقضي بمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدوره. بدأت الكوادر القضائية، بتوجيه من وزير العدل، إجراءاتها الفورية فور صدور التوجيهات الرئاسية. وشملت آليات العمل تدقيق الأضابير القانونية واستكمال ملفات الموقوفين المشمولين بالعفو، تمهيداً لإطلاق سراحهم أصولاً وفق جدول زمني يتسم بالسرعة والانضباط المؤسسي، بما يضمن سلامة التنفيذ القانوني لهذا المرسوم.
تنص “المادة 39” من الإعلان الدستوري السوري على أن لرئيس الجمهورية حق اقتراح القوانين، ويصدر القوانين التي يقرها مجلس الشعب، وله الاعتراض عليها بقرار معلل خلال شهر من تاريخ ورودها من المجلس الذي يعيد النظر فيها. ولا تقر القوانين بعد الاعتراض إلا بموافقة ثلثي مجلس الشعب، وفي هذه الحالة يصدرها رئيس الجمهورية حكماً.
كما تنص “المادة 40” على أنه يحق لرئيس الجمهورية منح العفو الخاص ورد الاعتبار.
أكد المحامي والناشط السوري البارز في مجال حقوق الإنسان، أنور البني، أن الإعلان الدستوري الذي أطلقه الشرع لم ينص على منح مثل هذه الصلاحية للرئيس الانتقالي، معتبراً ذلك جانباً إيجابياً. واعتبر المحامي البني، عبر صفحته في “فيسبوك”، أن قيام الشرع بمخالفة الإعلان الدستوري الذي كتبه والقفز فوق صلاحياته ومنح نفسه صلاحية لا يملكها، هو مؤشر خطير على تجاوز “دولة سيادة القانون” التي يتم التغني بها ليلاً ونهاراً.
يمثل مرسوم العفو، حسب المحامي البني، إنذاراً للجميع بأن القانون أصبح تحت الأرجل ولا قيمة له، وهذا لا يبشر بالخير أبداً في بناء سوريا كدولة سيادة القانون ووطن لكل أبنائها وبناتها. واعتبر أنور البني أن هذه هي المرة الأولى التي يتصرف بها الشرع كـ”زعيم ميليشيا وليس كرئيس دولة منذ استلامه الرئاسة الانتقالية في سوريا”. وتابع المحامي السوري: “كنت أتمنى أن لا يسقط بهذا الخطأ، العفو العام هو اختراع الأنظمة الديكتاتورية والأنظمة الملكية كمكرمة من الملك أو الزعيم ولا يوجد بأي نظام متحضر شيء اسمه عفو عام”.
من جانبه، قال المحامي والخبير القانوني السوري سليم زينو إن “الجرائم التي تُصنّف في القانون الدولي كجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية تخضع لمبدأ راسخ في الفقه والقضاء الدوليين، وهو أن هذه الجرائم لا يجوز أن تكون موضوع عفو يؤدي إلى الإفلات الكامل من المساءلة”.
وقد كرّست هذا الاتجاه اجتهادات متعددة، كما تؤكد “المادة 29” من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على عدم سقوط هذه الجرائم بالتقادم، وهو تعبير عن خطورتها الخاصة وطابعها غير القابل للتسوية السياسية. ويرى المحامي زينو أنه “في مجتمع عانى من انتهاكات جسيمة، أي غموض في النصوص يفتح باب التأويل، وأي غياب لطمأنة صريحة يفتح باب الشك، هنا تتكثف المخاوف الشعبية، الناس لا تبحث عن الانتقام، بل عن ضمانة بأن المرحلة الجديدة لن تُبنى على مساومات خلف الأبواب المغلقة”.
أثبتت التجارب المقارنة في أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا وأوروبا الشرقية أن العفو غير المنضبط قد يخلق استقراراً هشّاً، سرعان ما يتآكل حين يشعر الضحايا أن معاناتهم أُدرجت في خانة “التسويات السياسية”. وقال المحامي زينو إن العدالة الانتقالية الناجحة تقوم على ثلاث ركائز أساسية هي: الاعتراف بالحقيقة، المساءلة عن الجرائم الجسيمة، والمصالحة في ما دون ذلك.
وأكد أن العفو يمكن أن يكون أداة للمصالحة في الجرائم الفردية الأقل خطورة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن المساءلة في الجرائم التي مستّ حياة وكرامة آلاف السوريين. وأضاف أن ما يحتاجه الشارع السوري اليوم ليس خطاباً حماسياً ولا وعوداً عامة، بل وضوحاً قانونياً لا لبس فيه يتضمن: تحديداً صريحاً للجرائم المستثناة، تأكيداً لا يقبل التأويل على أن الجرائم الجسيمة ليست مشمولة، وبياناً للمسار القضائي الذي ستسلكه ملفات الانتهاكات الكبرى. وشدد على أن “الثقة لا تُمنح تلقائياً، بل تُبنى عبر الشفافية”.
وأشار إلى أن مرسوم العفو الأخير يعيد طرح سؤال مركزي: هل نحن أمام خطوة لترسيخ الاستقرار، أم أمام اختبار حقيقي لالتزام العدالة؟ فالعفو في ذاته ليس أمراً استثنائياً في المراحل الانتقالية، بل هو أداة استخدمتها دول عديدة للخروج من إرث الصراعات، وتخفيف التوترات، ومعالجة التكدّس القضائي.
لكن سوريا لا تعيش مرحلة ما بعد نزاع عادي، بحسب المحامي زينو، بل مرحلة ما بعد انتهاكات واسعة النطاق وجرائم تركت ندوباً عميقة في الذاكرة الوطنية. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يُقابل المرسوم بحذر شعبي واضح، فالخوف ليس من العفو بحد ذاته، بل من أن يتحول إلى ستار قانوني يفضي، بقصد أو بغير قصد، إلى إفلات من العقاب في ملفات تمسّ جوهر العدالة.
من الناحية الشكلية، يتضمن المرسوم عفواً عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ محدد، مع استثناءات منصوص عليها، ويجمع بين إسقاط الدعوى العامة في بعض الحالات، وتخفيف أو إسقاط العقوبات في حالات أخرى. ولا تتوقف المسألة عند الصياغة، بل عند ما إذا كانت الجرائم الجسيمة المرتبطة بفترة النزاع مستثناة بصورة لا تحتمل اللبس.
أوضح الخبير القانوني سليم زينو أن العدالة مسؤولية جماعية، ومرسوم العفو ليس مجرد نص يُنشر في الجريدة الرسمية، بل رسالة سياسية وأخلاقية إلى المجتمع. والمرحلة الجديدة لن تُقاس بقدرتها على طي ملفات الماضي، بل بقدرتها على معالجتها دون إنكار أو مساومة. وأشار إلى أن العدالة لا تتحقق بالصمت، ولا تحمى بالافتراضات الحسنة، بل تحمى بالوضوح، والمساءلة، والرقابة المجتمعية. وأضاف: “اليوم، تقع على عاتق النخب القانونية، والصحافة الحرة، ومنظمات المجتمع المدني، مسؤولية قراءة النصوص بدقة، ومتابعة تطبيقها، وطرح الأسئلة المشروعة دون تردد”.
فيما يتعلق بالجدل حول دستورية المرسوم، قال وزير العدل السوري مظهر الويس، إن العفو العام يصدر بمراسيم تشريعية وفق قانون العقوبات السوري، وإن إصدار المرسوم جاء متوافقاً مع الأعراف الدستورية، ولا سيما في ظل عدم انعقاد مجلس الشعب والحاجة الملحة لمعالجة الأوضاع القائمة.
واعتبر وزير العدل السوري في تصريحات صحفية نقلتها الوكالة السورية للأنباء (سانا)، أن هذا الإجراء قانوني ولا غبار عليه، وأن اختلاف الآراء في هذا الشأن يُعد مناخاً صحياً في ظل أجواء الحرية القائمة، حسب تعبيره.
برر وزير العدل مظهر الويس إصدار مرسوم العفو الرئاسي بـ”الاكتظاظ الكبير في السجون وتراكم ملفات تعود إلى حقبة النظام البائد”، مشيراً إلى أن المرسوم جاء لمعالجة هذه التراكمات ضمن مسار قانوني ودستوري واضح، وبأبعاد إنسانية تفتح باب الأمل والاندماج أمام المستفيدين منه، على حد قوله.
دخل المرسوم حيّز التنفيذ فور صدوره، حيث استنفرت الكوادر القضائية واللجان المختصة وباشرت العمل مباشرة. وتم الإفراج عن أكثر من 1500 شخص حتى الآن، مع توقع زيادة العدد تباعاً نظراً لأن بعض القضايا لا تزال في مراحل التحقيق الأولى، ويُطبق العفو عليها عند استكمال مسارها القانوني، بحسب الوزير الويس.
وبيّن وزير العدل أن عدد المستفيدين من إزالة آثار الأحكام الجائرة يتجاوز نصف مليون سوري، ممن أصدر النظام البائد بحقهم أحكاماً تعسفية في قضايا سياسية مثل ما سمي بـ”النيل من هيبة الدولة” أو تهم الإرهاب أو التعامل بغير الليرة السورية وغيرها من التهم التي أُلصقت بالمعارضين. ولفت إلى وجود أكثر من ثمانية ملايين إجراء تعسفي اتخذها النظام السابق بحق مواطنين خلال السنوات الماضية، وقد أزيل جزء كبير منها ويجري استكمال معالجة البقية.
أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، في شباط الحالي، المرسوم “39” للعام 2026، القاضي بمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدور هذا المرسوم. وتضمن العفو تخفيف عقوبتي السجن والاعتقال المؤبدة إلى 20 سنة سجناً، مستثنياً الأحكام ذات طابع الادعاء الشخصي، إلا إذا أسقط المتضرر حقه.
وفي الحالات التي لم يتقدم فيها المتضرر بادعاء شخصي، اشترط المرسوم تقديم الطلب خلال ثلاثة أشهر، وإذا انقضت هذه المدة ولم يتم تقديم الادعاء، تُطبق أحكام التخفيف المنصوص عليها. وشمل العفو المصابين بمرض عضال، أو كبار السن ممن بلغوا السبعين من العمر، بالإضافة إلى سجناء الأحداث (دون 18 عاماً).
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة