سوريا بلا موازنة للعام الثاني: غياب الرقابة يشرّع الأبواب أمام الفساد ويُعقّد إنفاق حكومة عرنوس بعد سقوط الأسد


هذا الخبر بعنوان "غياب الموازنة يفتح الأبواب أمام الفساد؟ .. كيف اعتمدت موازنة حكومة عرنوس بعد سقوط الأسد؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستمر سوريا في غياب الموازنة العامة للدولة، ومعها غياب مجلس الشعب، للعام الثاني على التوالي، مما يترك الحدود مشرّعة أمام ثغرات الفساد والهدر دون وجود مساءلة ومحاسبة تستند إلى الأطر التي ترسمها الموازنة. فالموازنة العامة هي الأداة التي تحدّد سياسات وحدود الإنفاق والجباية لكل وزارة، وترسم ملامح السياسة الاقتصادية للبلاد وخطتها للسنوات القادمة وما تستدعيه من إجراءات ومراسيم لتطبيق هذه الخطط.
في جوهرها، تمثل الموازنة خطة الحكومة للسنة المقبلة، حيث تُقدّم للبرلمان مع نهاية العام لتكون خارطة طريق للعام التالي، وتحدد من خلالها الحكومة حدود الإنفاق والجباية لكل وزارة من وزاراتها.
إلى جانب طابعها الاقتصادي، تحمل الموازنة فلسفةً عامة تُبنى عليها السياسة المالية والنقدية للدولة. فمثلاً، إذا كان هناك توجه لدعم الزراعة على مدى السنوات الخمس المقبلة، فإن الموازنة تقدّم خطة لدعم القطاعات الزراعية، سواء عبر تقديم قروض للفلاحين، أو مواد زراعية وأسمدة ومبيدات بأسعار مدعومة، أو استيراد تقنيات حديثة للري واستصلاح الأراضي. هذا يوضح أن الموازنة ليست مجرد أرقام ومبالغ، بل هي وجهة نظر سياسية تعبّر عن مكوّنات الحكومة ووجهتها.
تُعد موافقة البرلمان على الموازنة شرطاً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه. يقوم البرلمان، عبر لجانه وهيئته العامة، بالتصويت على الموازنة باباً باباً حتى يتم إقرارها، سواء برفضها كاملةً أو طلب تعديل أجزاء منها أو الموافقة عليها. وتعتبر هذه الموافقة بمثابة "توكيل" للحكومة من الشعب للإنفاق والجباية ضمن حدود ما جاء في الموازنة، وأي خروج عن هذه الحدود يُعد مخالفة وإنفاقاً غير شرعي يستوجب المساءلة تحت قبة المجلس.
أوضح مدير منظمة اليوم التالي، معتصم السيوفي، لـ سناك سوري أن الإعلان الدستوري قام بتركيب سلطة في المرحلة الانتقالية لا تتضمن مساءلة ومحاسبة للسلطة التنفيذية. وبيّن أن "السلطة التشريعية/ البرلمان" الذي لم يكتمل تشكيله، لا يمتلك صلاحية مراقبة السلطة التنفيذية، ويمكنه فقط عقد جلسات استماع للوزراء وإقرار القوانين واقتراحها، لكنه لا يملك حق المحاسبة.
وأضاف السيوفي أن السلطة التنفيذية في سوريا اليوم لا تُحاسَب، كما أن المحكمة الدستورية غائبة. ولا يزال العمل مستمراً بما كان قائماً في عهد النظام السابق، حيث يتولى رئيس الجمهورية رئاسة مجلس القضاء الأعلى ويضم بعضويته وزير العدل ومسؤولين تعيّنهم السلطة التنفيذية، مما يعني غياب استقلال وتوازن للسلطات في البلاد على حد قوله.
من جانبه، أكد رئيس "الحزب الليبرالي السوري -أحرار"، بسام القوتلي، أن الرقابة على الحكومة حالياً غائبة تماماً، رغم أنها ضرورية لعمل الحكومة بشكل أفضل. كما أشار إلى أن القوانين والتشريعات التي تصدر حالياً تقع خارج صلاحيات السلطة التنفيذية ويجب أن تكون ضمن صلاحية البرلمان.
وأوضح القوتلي لـ سناك سوري أن الشفافية والمشاركة في صناعة القرار مسائل ضرورية، ويجب بناء ثقافة جديدة بهذا الشأن. واعتبر أن السلطة في أي مكان في العالم جاذبة للفاسدين، متوقعاً أن كثيرين من رجال النظام السابق مع فاسدين جدد سيلتحقون بالسلطة الجديدة، وبغياب الشفافية وآليات المحاسبة سنجد أنفسنا نعيد بناء منظومة فاسدة.
نصّ دستور 2012 في سوريا على إلزام الحكومة بعرض مشروع الموازنة على مجلس الشعب قبل شهرين على الأقل من بداية السنة المالية. وقالت المادة 80 إنه في حال لم ينتهِ المجلس من إقرار الموازنة حتى بداية السنة الجديدة، يُعمل بموازنة السنة السابقة حتى اعتماد موازنة السنة الجديدة، وتُحصَّل الإيرادات وفقاً للقوانين والأنظمة النافذة.
اعتُمدت هذه القاعدة حين قررت السلطات الانتقالية بعد سقوط النظام السابق رفض موازنة 2025 التي أقرها آخر برلمان في عهد الأسد، وأقرت العمل بموازنة 2024 وفق مبدأ "الاثني عشرية"، الذي يعني تقسيم الموازنة إلى 12 جزءاً يمثل كل منها شهراً واحداً، إلى أن يتم اعتماد موازنة جديدة.
لاحقاً، تم وقف العمل بدستور 2012 واعتماد "الإعلان الدستوري" كمرجع أعلى في البلاد. ونصّ بدوره في المادة 30 منه على أن مجلس الشعب يتولى بين مهامه إقرار الموازنة العامة للدولة، لكنه لم ينص على أن المجلس يقرّ كذلك "الحساب الختامي" للموازنة الذي يتحقق في نهاية العام من التزام الحكومة بما وعدت به في السنة السابقة.
المعضلة التي واجهت السلطة هي أن مجلس الشعب لم يكتمل تشكيله مع نهاية 2025، ما يعني الدخول في سنة مالية جديدة دون موازنة. كما نصّت المادة ذاتها على أن مجلس الشعب يعقد جلسات "استماع" للوزراء، وليس محاسبة أو تحقيق، ولم يمنحه صلاحية رفع الثقة عن وزير أو عن الحكومة ككل، ما اعتبره البعض تفريغاً لواحدة من أهم مهام المجلس في المراقبة والمحاسبة.
بناءً على هذه المعطيات، فإن إنفاق الوزارات اليوم، سواء كان ملتزماً بموازنة 2024 أم لا، يبدو ملتبساً في غموض الجهة التي ستحاسبها عليه. ولن يظهر وجود خلل أو تجاوز من عدمه إلا عند إقرار قطع حساب لموازنة 2025، وهو خارج مهام البرلمان، مما يجعل مهمة المحاسبة غامضة في هذا الخصوص. يضاف إلى ذلك، وحتى لو غاب مجلس الشعب وإقرار الموازنة، فهذا لا يعني أن يغيب إعلان الموازنة والشفافية في صرف الاعتمادات والخطط المالية.
تم إقرار موازنة السنة المالية 2024 (المعتمدة اليوم) في تشرين الثاني 2023، أي في عهد حكومة حسين عرنوس. بلغت قيمتها 35.5 تريليون ليرة، والتي كانت تعادل 3.1 مليار دولار على أساس سعر الصرف الرسمي حينها 11557 ليرة، بينما كان سعر السوق 14000 ليرة أي 2.5 مليار دولار.
انقسمت الموازنة إلى 26.5 تريليون ليرة للنفقات الجارية و9 تريليون ليرة للنفقات الاستثمارية. وفي تفاصيلها، خُصص 6.2 تريليون ليرة للدعم الاجتماعي، موزعة على دعم المشتقات النفطية والخميرة والمناطق المتضررة من الزلزال والصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية، ومخصصات للانتقال إلى الري الحديث وصندوق دعم الإنتاج الزراعي، وصندوق التخفيف من آثار الكوارث والجفاف.
في المقابل، غيّرت السلطة الجديدة من التوجهات العامة للدولة منذ المرحلة الأولى لما بعد سقوط النظام، فأعلنت رفع الدعم عن السلع الأساسية والمحروقات والخبز وعن دعم الزراعة عموماً.
وبينما كانت موازنة 2024 تتوقع إيرادات بقيمة 26 تريليون ليرة، منها 15 تريليون من الإيرادات الجارية كالضرائب والرسوم وغيرها، و11 تريليون ليرة إيرادات استثمارية من نشاط شركات القطاع العام، فقد تغيّر المشهد في مرحلة ما بعد سقوط النظام. تم تغيير خارطة الإيرادات بشكل واسع، سواء بإلغاء الخدمة العسكرية ودفع "البدل" الذي كان يشكل مورداً هاماً للخزينة في عهد النظام، فضلاً عن تغيير السلطة الجديدة حجم ونسب الجمارك على البضائع بمختلف أنواعها، لا سيما السيارات والأجهزة الإلكترونية.
هذا يطرح تساؤلات عن كيفية توزيع الموازنة وإبقائها على حالها رغم تغير الظروف وانقلاب المشهد بين 2024 و2025 وحتى السنة الحالية. وتطرح هذه المعطيات أسئلة وعلامات استفهام واسعة حول كيفية الإنفاق والجباية في عهد الحكومة الحالية، وما يسببه غياب آليات المحاسبة من تشريع لحدود الفساد، وغياب القيود على الإنفاق والجباية التي تقيّد الحكومة ببنود الموازنة وتجعلها حذرة من أي خروج عنها، والأخذ بعين الاعتبار وجود قوة برلمانية للمحاسبة والمساءلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة