أمطار الربيع الغزيرة تنعش مراعي الحسكة وتخفف أعباء مربي الأغنام


هذا الخبر بعنوان "مع أمطار وفيرة.. الربيع ينعش المراعي ويخفف أعباء المربين بالحسكة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت مناطق واسعة من الجزيرة السورية خلال الأسابيع الماضية هطولات مطرية وُصفت بالأوفر منذ عدة مواسم، ما أحدث تحولًا كبيرًا في المشهد الطبيعي للأرياف الممتدة بين ريفي الحسكة الجنوبي والغربي وصولًا إلى تخوم القامشلي والشدادي. فقد اكتست الأراضي بالكلأ والأعشاب البرية، مبشرة بقدوم الربيع مبكرًا هذا العام.
وبينما ينظر سكان المدن إلى فصل الربيع من منظور جمالي، فإنه يحمل لمربي الأغنام في محافظة الحسكة دلالات اقتصادية مباشرة وحيوية. إذ يمثل موسم الأمطار ووفرة المرعى الطبيعي فرصة ذهبية لتخفيف الأعباء المالية الثقيلة التي تفرضها أسعار الأعلاف المرتفعة، والتي شكلت خلال العامين الماضيين أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع الثروة الحيوانية في المنطقة.
أظهرت جولة ميدانية أجرتها عنب بلدي في محيط ريف الحسكة الجنوبي، تحول مساحات واسعة من البادية والأراضي الزراعية إلى بساط أخضر يانع. يأتي هذا التحول بعد سنوات متعاقبة من تراجع الهطولات المطرية، الأمر الذي كان قد انعكس سلبًا في السابق على تدهور الغطاء النباتي وزيادة الاعتماد على الأعلاف الصناعية.
يقول المربي عبد الرحمن الأحمد (52 عامًا)، وهو من سكان ريف الحسكة ويملك قطيعًا يضم نحو 200 رأس من الأغنام، إن الموسم الحالي “يبشر بالخير”، مؤكدًا أن الأمطار الأخيرة “أعادت الحياة للمراعي بعد سنوات من القحط”. وأوضح الأحمد أن وفرة الكلأ في الربيع تسهم في خفض استهلاك الأعلاف بشكل كبير، حيث يعتمد مربو الأغنام خلال هذه الفترة على الرعي الطبيعي بنسبة تصل إلى 75%، مقابل 25% فقط من العلف المكمل، مما ينعكس إيجابًا ومباشرة على التكاليف الشهرية. وأضاف: “في الشتاء كنا نعتمد بشكل شبه كامل على العلف، وكانت الكلفة ترهقنا، أما الآن فالأغنام ترعى طوال النهار، ولا نضطر لإعطائها إلا كمية بسيطة مساءً”.
على الرغم من التحسن الموسمي الذي يوفره الربيع، لا تزال أسعار الأعلاف مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية للمربين. ووفقًا لقائمة الأسعار المتداولة في أسواق الحبوب بمحافظة الحسكة، فقد بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من القمح المحلي 4500 ليرة سورية، مقابل 4000 ليرة للقمح المستورد. أما الشعير المحلي الأسود فسجل 4800 ليرة للكيلوغرام، في حين بلغ سعر الشعير المستورد الأبيض 4300 ليرة. وسجلت النخالة 4000 ليرة، والذرة الصفراء 3500 ليرة للكيلوغرام الواحد.
وبالنسبة للخلطات العلفية، التي تتكون من القمح والشعير المستورد والذرة الصفراء والنخالة، فيبلغ سعر الكيلوغرام منها 4000 ليرة سورية، بينما ترتفع إلى 4300 ليرة إذا كانت مكوناتها محلية. أما التبن فسجل 3200 ليرة للكيلوغرام. كما تتوفر أعلاف “الكبسول” الغنية بالبروتينات، بثلاثة أصناف مخصصة للأبقار والأغنام والدواجن، وتُعد من الأعلاف المركزة التي يعتمد عليها المربون في فترات انعدام المرعى أو لزيادة الإنتاج.
المربي محمد إسماعيل، من ريف القامشلي، أوضح أن استهلاك قطيعه من الأعلاف ينخفض في الربيع وموسم الحصاد إلى نحو 25% مقارنة بفصل الشتاء. وقال: “في الشتاء كان قطيعي يستهلك يوميًا قرابة 150 كيلوغرامًا من العلف، أما الآن فلا يحتاج أكثر من 40 كيلوغرامًا، فقط كدعم غذائي، لأن الرعي يغطي النسبة الأكبر”.
وبيّن إسماعيل أن الاعتماد على الأعشاب البرية في الربيع، ثم على بقايا المحاصيل الزراعية بعد الحصاد في الصيف، يشكلان “طوق نجاة” للمربين، خاصة في ظل غياب الدعم الحكومي المباشر وارتفاع تكاليف النقل والوقود. وأشار إلى أن استمرار هطول الأمطار خلال آذار ونيسان سيحسن من جودة المرعى، ما ينعكس إيجابًا على صحة القطيع ونسبة الولادات وإنتاج الحليب.
في أحد أسواق الحبوب بمحافظة الحسكة، قال تاجر الأعلاف أحمد العلي، إن حركة البيع تشهد تراجعًا ملحوظًا مع بداية الربيع، مقارنة بفصل الشتاء. وأوضح أن الطلب ينخفض فعليًا إلى نحو 25% في هذه الفترة، مضيفًا: “المربون يعتمدون الآن على الكلأ، ويشترون كميات محدودة فقط، إما خلطات علفية خفيفة أو كمية من الشعير كدعم”.
وأشار العلي إلى أن الأسعار الحالية “مرتبطة بتكاليف الشراء والنقل وسعر الصرف”، مؤكدًا أن الأعلاف المحلية غالبًا ما تكون أعلى سعرًا من المستوردة بسبب قلة الإنتاج وارتفاع تكاليف الزراعة. وبيّن أن موسم الحصاد يشهد أيضًا تراجعًا في المبيعات، إذ يعتمد المربون على بقايا الحقول من تبن وقش وشعير، ما يقلل الحاجة إلى شراء الأعلاف المركزة.
يؤكد مربو الأغنام أن وفرة المرعى لا تقتصر آثارها على خفض التكاليف فحسب، بل تنعكس أيضًا على صحة القطيع وزيادة الوزن وتحسن نوعية الحليب. وقد أشار عبد الرحمن إلى أن الأغنام “تتحسن حالتها بسرعة عند توفر المرعى الطبيعي”، لافتًا إلى أن الأعشاب البرية “أغنى وأفضل من العلف الصناعي من حيث القيمة الغذائية”.
كما يسهم انخفاض الاعتماد على الأعلاف في تقليل الديون التي تراكمت على بعض المربين خلال المواسم السابقة، إذ اضطر كثيرون إلى شراء الأعلاف بالدَّين أو بيع جزء من قطعانهم لتغطية النفقات.
رغم التفاؤل الذي يحمله الربيع هذا العام، يحذر مربون من أن هذا التحسن يبقى موسميًا. إذ تعود الأزمة مع بداية الصيف إذا انحسر الغطاء النباتي مبكرًا أو ارتفعت درجات الحرارة بشكل حاد. كما أن استقرار أسعار الأعلاف يبقى عاملًا حاسمًا، إذ إن أي ارتفاع جديد قد يبدد المكاسب التي يحققها المربون في موسم الرعي.
ويطالب مربو المواشي بضرورة إيجاد آليات لدعم قطاع الثروة الحيوانية، سواء عبر تخفيض أسعار الأعلاف، أو تنظيم أسواقها، أو توفير قروض ميسرة، خاصة أن تربية الأغنام تشكل مصدر دخل أساسي لآلاف العائلات في الجزيرة السورية. وبينما تبقى التحديات قائمة، يترقب المربون استمرار الهطولات خلال الأسابيع المقبلة، أملًا بموسم طويل من الخضرة يعيد التوازن إلى قطاع أنهكته سنوات الجفاف وارتفاع التكاليف. ومع امتداد المساحات الخضراء في ريف الحسكة، يبدو أن الربيع هذا العام لا يحمل أزهاره فحسب، بل يحمل كذلك فرصة لالتقاط الأنفاس بالنسبة لمربي الأغنام، ولو مؤقتًا، في انتظار استقرار أوسع يطال بقية مفاصل القطاع الزراعي والحيواني في المنطقة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي