المعابر الحدودية السورية-العراقية: بوابة استراتيجية لإعادة إحياء دور سوريا الاقتصادي والإقليمي


هذا الخبر بعنوان "المعابر الحدودية مع العراق..إعادة رسم خريطة سوريا جغرافيا واقتصاديا" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قبل نهاية العام 2025، شهدت دمشق محادثات سورية-عراقية مكثفة، تركزت على تطوير آليات العمل في المنافذ الحدودية بين البلدين. تهدف هذه الجهود إلى تسهيل عبور المسافرين وتعزيز حركة التبادل التجاري، بما يخدم المصالح الاقتصادية المشتركة. وقد تم التأكيد على أهمية استمرار التنسيق والتعاون لرفع كفاءة العمل ودعم الاستقرار والتنمية في المناطق الحدودية.
في وقت سابق من شهر شباط الجاري، أعلن رئيس هيئة المنافذ الحدودية العراقية، الفريق عمر الوائلي، أن الأيام القادمة ستشهد افتتاح منفذي الوليد وربيعة الاستراتيجيين مع سوريا. جاء هذا الإعلان بعد توجيهات من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بسرعة افتتاحهما، لما لهما من أثر إيجابي على الإيرادات المتحققة ورفع مستوى التبادل التجاري والترانزيت عبر العراق، والاستفادة من موقعه الجغرافي لربط الشرق بالغرب.
من جانبه، أوضح رئيس الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا، قتيبة بدوي، أن الهيئة بدأت منذ تأسيسها عملية تطوير شاملة لتحسين البنية التحتية للمنافذ البرية والبحرية. كما تبذل الهيئة جهوداً كبيرة لتسهيل حركة المسافرين عبر المعابر، مع توفير الخدمات الضرورية لهم، بالتوازي مع تحسين حركة البضائع، مما يسرع من عملية التبادل التجاري وحركة الركاب بين سوريا والدول الأخرى.
بعد إعادة افتتاح معبر البوكمال/القائم أمام حركة المسافرين والتبادل التجاري في حزيران الماضي، ناقشت الاجتماعات الثنائية التي جرت منتصف كانون الأول الماضي آليات تسريع افتتاح منفذ التنف/الوليد الحدودي. كما تم استعراض الأعمال التي ستقوم بها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك لبناء منفذ جديد في منطقة البوكمال كبديل عن المنفذ الحالي.
في الثاني عشر من شباط الجاري، أعلنت وزارة الدفاع استلام وحدات من الجيش العربي السوري قاعدة التنف وتأمين محيطها، وبدء انتشارها على الحدود السورية العراقية الأردنية في بادية التنف، وذلك بعد التنسيق مع الجانب الأميركي. وأشارت الوزارة إلى أن قوات حرس الحدود ستبدأ استلام مهامها والانتشار في المنطقة خلال الأيام القادمة.
يقع منفذ الوليد الحدودي في قضاء الرطبة بمحافظة الأنبار العراقية، ويقابله منفذ التنف في سوريا، ويُعد النقطة الحدودية الرئيسية على الطريق السريع بين دمشق وبغداد. كان المنفذ قد أُغلق في أيار عام 2015 بعد سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي على المنطقة، ورغم استعادة السيطرة عليه عام 2017، إلا أنه ظل مغلقاً منذ ذلك الحين.
أعلن مدير ناحية الوليد، مجاهد الدليمي، بدء أعمال تأهيل وتطوير المنفذ في آذار 2025، مؤكداً على أهميته الاستراتيجية للحكومة العراقية ومحافظة الأنبار. فهو يمثل الشريان التجاري الرئيس للمحافظة، والمسار الأهم لحركة الشاحنات والمسافرين بين بغداد ودمشق، كونه أقصر الطرق التجارية الرابطة بين البلدين.
أما منفذ بلدة ربيعة، الواقعة شمال غرب محافظة نينوى والمجاورة لبلدة اليعربية في محافظة الحسكة السورية، فهو أحد المعابر الحدودية الأربعة التي تربط بين سوريا والعراق. يقع على مسافة 120 كيلومتراً من الموصل وحوالي 525 كيلومتراً عن بغداد.
بعد استعادة الدولة السورية سيطرتها على مناطق واسعة من أراضيها خلال الشهرين الماضيين، شهدت بلدة اليعربية انتشار عناصر الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في المعبر الحدودي في السادس والعشرين من كانون الثاني الماضي، وذلك بعد انسحاب قوات تنظيم “قسد” بموجب اتفاق مع الحكومة السورية.
وخلال زيارة ميدانية قام بها إلى منفذ ربيعة اليوم الإثنين، أكد رئيس هيئة المنافذ الحدودية العراقية أن افتتاح المنفذ سيمثل خطوة استراتيجية مهمة في تعزيز حركة التبادل التجاري مع الجمهورية العربية السورية وزيادة الإيرادات غير النفطية. كما يشكل ممراً محورياً لحركة الترانزيت، وداعماً مستقبلياً لمشاريع الربط الإقليمي وطريق التنمية.
وأفادت الهيئة في بيان أن زيارة الفريق الوائلي هدفت إلى تقييم الواقع الخدمي والفني للمنفذ وتحديد متطلبات التأهيل والتطوير، لضمان افتتاحه في أقرب وقت ممكن. وتأتي هذه الخطوة تنفيذاً للتوجيهات الحكومية الرامية إلى تسريع وتيرة العمل واستكمال متطلبات التأهيل.
قبل أيام، أعلن محافظ نينوى عبد القادر الدخيل بدء وضع اللمسات الأساسية لخطة إعادة تأهيل المنفذ، بهدف تلبية كافة المتطلبات الخدمية والأساسية اللازمة لتشغيل هذا المرفق الاستراتيجي، الذي ظل متوقفاً لسنوات طويلة نتيجة سيطرة قوات تنظيم “قسد” على المناطق الحدودية المقابلة له. وشدد الدخيل على أن إعادة تشغيل المنفذ تمثل ضرورة قصوى كونه يعد شرياناً اقتصادياً حيوياً للمحافظة، وسيسهم بفعالية في تنشيط حركة التجارة البينية ودعم الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.
يقول محمد رياض الصيرفي، رئيس مجلس إدارة الجمعية السورية للشحن والإمداد الوطني، إن إعادة افتتاح منفذي الوليد وربيعة بين العراق وسوريا تمثل خطوة استراتيجية ذات أبعاد تتجاوز التبادل التجاري المباشر. فهي تعيد إحياء محور بري تاريخي يربط الخليج العربي بشرق المتوسط، وتضع البلدين مجدداً في موقع القلب ضمن شبكة النقل الإقليمي.
وأضاف الصيرفي، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذه الخطوة تأتي في لحظة حساسة تتسابق فيها الممرات البرية في المنطقة لاستقطاب حركة العبور، خاصة في ظل تقدم مشروع “طريق التنمية” العراقي، الذي يسعى لتحويل العراق إلى عقدة ربط بين آسيا وأوروبا. وتابع أن أهمية المنفذين لا تقاس بعدد الشاحنات فقط، بل بالقدرة على إدارة هذا التدفق بكفاءة عالية. فالممرات الكبرى لا تبنى بالشعارات ولا بالافتتاحات الرسمية، بل بمنظومة تشغيلية منضبطة قادرة على استيعاب مئات الشاحنات يومياً دون اختناقات، وبإجراءات واضحة ومستقرة يمكن للقطاع الخاص أن يثق بها ويبني عليها التزاماته التعاقدية.
ويشدد الصيرفي، وهو أيضاً رئيس لجنة الشحن والنقل والترانزيت بغرفة تجارة دمشق، على أنه من الناحية الاقتصادية، يمكن لهذه المعابر أن تعيد لسوريا دورها الطبيعي كممر عبور إقليمي، وأن ترفع إيرادات الترانزيت، وتنشط قطاعات النقل والتخليص والتأمين والمستودعات، وتخلق فرص عمل واسعة. لكن في المقابل، أي تضارب في السياسات التنظيمية أو أي قرارات مفاجئة غير مترافقة مع جاهزية لوجستية حقيقية، قد يفقد هذا المسار تنافسيته سريعاً، لأن حركة التجارة لا تنتظر، والشركات تختار المسار الأكثر استقراراً وانسيابية. ويبين أن المنطقة اليوم تشهد إعادة تشكيل لسلاسل الإمداد، وكل دولة تحاول تثبيت موقعها كممر موثوق، والموثوقية لا تعني فقط الأمن، بل تعني أيضاً وضوح القواعد وثبات الإجراءات وتدرج القرارات وتوافقها مع القدرة التشغيلية الفعلية على الأرض.
من جانبه، يقول الدكتور حسن غرة، الباحث الاقتصادي في مركز “جسور” للدراسات، إن افتتاح منفذي الوليد وربيعة بين سوريا والعراق يمثل حدثاً اقتصادياً استراتيجياً بامتياز، ولا سيما أن التبادل التجاري بين البلدين انهار من 80% من واردات العراق قبل 2011 إلى ما لا يتجاوز 5% اليوم. وأضاف في حديث مماثل للصحيفة أن إعادة تشغيل هذين الشريانين تتيح لسوريا استعادة دورها التصديري نحو السوق العراقية في القطاعات الزراعية والصناعية، فضلاً عن تحقيق عائدات ترانزيت مهمة مرتبطة بمشروع طريق التنمية العراقي الضخم الذي يسعى إلى ربط الخليج بأوروبا، والذي يمكن أن يمر جزء منه عبر الأراضي السورية.
ويذكر الدكتور غرة أن الاستفادة الحقيقية لسوريا مشروطة بتجاوز جملة من التحديات، أبرزها تطوير البنية التحتية للمعابر، ووضع اتفاقيات جمركية واضحة، وحماية المنتج السوري من منافسة السلع الإيرانية والتركية المدعومة التي تدخل عبر ذات المنافذ. ويؤكد أن هذه المنافذ ليست مجرد نقاط عبور، بل بوابة لإعادة تموضع سوريا جغرافياً واقتصادياً كجسر ربط فاعل بين الشرق والغرب.
بدوره، يقول الكاتب والمحلل السياسي مصطفى فرحات إن سوريا اليوم منفتحة على الاستقرار والسلام والازدهار، وبطبيعة الحال فإن الاقتصاد هو المحرك الأساسي للازدهار وللسياسة أيضاً. وبالتالي، فإن إعادة افتتاح المنفذين يمثل مستوى متقدماً من التنسيق الإداري والأمني بين دمشق وبغداد، بما يرسخ مفهوم الشراكة المتوازنة القائمة على المصالح المتبادلة.
ويتابع فرحات في حديث لصحيفة “الثورة السورية” أن إعادة العمل في المنفذين لا تعد مجرد خطوة إجرائية في إدارة الحدود بين البلدين، بل تمثل تطوراً استراتيجياً في إعادة تعزيز وصل سوريا بعمقها العربي. مبيناً أنه بعد الانفتاح على دول الخليج والعديد من الدول العربية الأخرى، يأتي اليوم دور العراق، هذا البلد المهم جداً كونه بلداً جاراً، كما أن الروابط العروبية وغيرها الكثير تفرض هذا الواقع الجديد بالانفتاح على العراق في الجانب الاقتصادي؛ أي إن العراق سيكون شريكاً في الجغرافيا وفي المصالح الاقتصادية.
وأضاف أن المنفذين يمثلان شريانين حيويين يربطان المشرق بعضه ببعض، كما أنهما سيعيدان تفعيل النقل البري الذي يختصر المسافات ويقلل تكاليف النقل والشحن ويمنح حركة البضائع مرونة أكبر عبر مسارات برية مباشرة. ويوضح أنه من الناحية العملية فإن انتظام العمل في المنفذين سيؤدي إلى تسريع حركة التبادل التجاري النظامي بين البلدين، ويحد بشكل كبير من عمليات التهريب غير الشرعية وغير المسموحة (الكبتاغون والأسلحة وغيرها) في ظل التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين. ويذكر أن افتتاح المنفذين سيعمل أيضاً على تنظيم حركة العبور من حيث المواعيد والدقة في العمل بشكل كبير، إضافة إلى تعزيز الإيرادات الجمركية للبلدين ضمن أطر قانونية.
يقول فرحات إنه من منظور استراتيجي، فإن توسيع شبكة المنافذ الحدودية يمثل جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تموضع سوريا اقتصادياً في الإقليم، وليس مجرد تحصيل رسوم عبور. مضيفاً أن هذا يعني إعادة سوريا إلى الخارطة الاقتصادية كما أعادتها إلى الخارطة الإقليمية والدولية، فقد أصبحت سوريا لاعباً سياسياً أساسياً في الإقليم وعلى المستوى الدولي بعد انخراطها في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.
وأشار إلى أن المعبرين سيعملان على تحفيز الدورة الاقتصادية الداخلية (زيادة تدفق البضائع والمواد الأولية)، ما سينعكس إيجاباً على الأسواق السورية، إلى جانب تنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية. كما أن حركة الترانزيت ستخلق فرصاً لقطاع النقل البري وشركات التخليص الجمركي والمستودعات والخدمات، ما يزيد فرص العمل في المناطق الشرقية والحدودية، إضافة أيضاً إلى تعزيز موقع سوريا في مشروع الربط الإقليمي مع توجه العراق لتفعيل دوره كحلقة وصل بين الشرق والغرب.
ويتابع أنه لذلك فإن مشاركة سوريا في هذا المسار تمنحها موقعاً محورياً في شبكة العبور الإقليمية، وتعيد تثبيت موقعها الجغرافي كجسر بري طبيعي بين آسيا والبحر المتوسط. ويذكر أن الموقع الجيوسياسي لسوريا يلعب دوراً كبيراً في الاقتصاد وليس فقط في الجانب السياسي، أي إن هذه الخطوة ذات بعد سياسي واستراتيجي، كما أنها تحمل رسالة واضحة بأن الدولة الجديدة تعمل على إعادة بناء علاقاتها الإقليمية وفق منطق المصالح المشتركة والانفتاح المدروس وتعزيز الاستقرار الحدودي بما يخدم التنمية لا الصراع، والمضي قدماً في الاتجاه الصحيح نحو الانفتاح الاقتصادي أيضاً.
فيما يخلص رئيس مجلس إدارة الجمعية السورية للشحن والإمداد الوطني إلى القول إنه إذا أردنا أن نكون جزءاً فاعلاً من مشروع الربط بين الشرق والغرب، فعلينا أن نضمن أن بيئتنا التنظيمية تعزز الانسيابية لا أن تربكها، وأن تدعم التنافسية لا أن ترفع كلفها. ويجدد التأكيد على أن الفرصة كبيرة، لكنها مشروطة؛ فالموقع الجغرافي ميزة نظرية، أما تحويله إلى قوة اقتصادية فعلية فيتطلب إدارة دقيقة، وتنسيقاً عالياً بين الجهات المعنية، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص، لأن نجاح الممرات لا يقاس بعدد البيانات الجمركية فقط، بل بمدى ثقة الأسواق الإقليمية في استقرار هذا المسار على المدى الطويل.
اقتصاد
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد