رمضان في سوريا: توقف مهن يومية يفاقم أزمة الأسر المعيشية وسط غلاء طاحن


هذا الخبر بعنوان "في رمضان… مهن تتوقف وأسر تواجه الغلاء بلا دخل" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع حلول شهر رمضان المبارك، تشهد المدن والبلدات السورية تحولات عميقة في أنماط الحياة اليومية، تتغير معها حركة الأسواق وساعات العمل المعتادة. لكن خلف الأجواء الروحانية وطقوس الشهر الفضيل، يواجه عشرات العمال وأصحاب المهن الصغيرة واقعاً اقتصادياً أكثر قسوة: أعمال تتوقف نهاراً، وأجور يومية تتبخر، لتجد الأسر نفسها أمام مصاريف مضاعفة دون مصدر دخل ثابت، في ظل غلاء معيشي يثقل كاهل الجميع.
يصف محمود، وهو عامل في محل شاورما بريف دمشق، كيف يتوقف عمله كلياً خلال الأيام العشرة الأولى من رمضان. يوضح محمود، الذي يتقاضى أجراً يومياً: "لا أحد يشتري الشاورما في النهار، وصاحب المحل يفضل الإغلاق بدلاً من دفع أجور وكهرباء بلا مردود". ومع توقف العمل، يتوقف دخله بالكامل، ما يضعه أمام معادلة صعبة: مصاريف طعام إضافية، ومواد تموينية ارتفعت أسعارها بشكل كبير، والتزامات حياتية لا يمكن تأجيلها. ويضيف: "نحاول أن ندبر أمورنا بالدين من الدكان أو بمساعدة الأقارب، لكن الأمر يتكرر كل عام، ولا يوجد بديل واضح يلوح في الأفق".
على الجانب الآخر من السوق، يحاول أبو أحمد، بائع الفلافل، التكيف مع خصوصية الشهر. يقر أبو أحمد بأن مبيعات الفلافل والفول تتراجع نهاراً إلى أدنى مستوياتها، لكنه لا يوقف عمله بالكامل. يقول: "حوّلت جزءاً من البسطة إلى بيع المعروك ومشروبات رمضان التقليدية مثل التمر الهندي والسوس"، مشيراً إلى أن الربح ليس مضموناً بالكامل، لكنه يبقى أفضل من البقاء بلا عمل. ويتابع: "رمضان يحتاج إلى مصاريف أكثر، خاصة مع وجود أطفال. إن لم أعمل، فمن أين آتي بثمن الإفطار؟". ومع ذلك، يلفت أبو أحمد إلى أن التحول إلى مهنة موسمية يحمل مخاطره الخاصة، فتكلفة شراء المواد الأولية قد لا تُعوّض في حال كانت المبيعات ضعيفة أو المنافسة مرتفعة.
أما سامر، الشاب الذي كان يعمل في بيع السندويشات الخفيفة نهاراً قرب إحدى المدارس، فيؤكد أن عمله يتوقف كلياً طوال الشهر. يوضح سامر: "مدخولي يعتمد على الطلاب والموظفين في النهار، وفي رمضان لا حركة تذكر". ويضيف أنه حاول هذا العام البحث عن عمل مسائي مؤقت في أحد المطاعم، لكنه لم ينجح "بسبب الاكتفاء بالعمالة". ويختتم سامر حديثه قائلاً: "أبقى بلا عمل شهراً كاملاً تقريباً، وأعيش على ما ادخرته سابقاً، وإن لم يكف أضطر إلى الاستدانة".
لا تقتصر آثار رمضان الاقتصادية على هذه المهن المذكورة فقط، بل تمتد لتشمل مهن الوجبات السريعة النهارية، وباعة العصائر المتجولين، وبعض سائقي وسائل النقل الذين يعتمدون على حركة النهار. جميع هؤلاء يتأثرون بانخفاض النشاط اليومي، مقابل ضغط محدود في ساعات ما قبل الإفطار لا يعوض الخسارة كاملة.
في المقابل، تزدهر مهن موسمية أخرى، مثل بيع القطايف والحلويات الرمضانية وتحضير العصائر التقليدية، ما يدفع بعض العمال إلى الهجرة المؤقتة نحو أعمال تتناسب مع طبيعة الشهر. إلا أن هذا التحول لا يتاح للجميع، ويتطلب رأسمالاً بسيطاً وخبرة، فضلاً عن قدرة على تحمل الخسارة في حال لم تنجح التجربة.
اقتصادياً، تتزامن هذه التحولات مع ارتفاع ملحوظ في حجم الإنفاق الأسري خلال رمضان، سواء على المواد الغذائية الأساسية أو مستلزمات الضيافة، ما يجعل توقف الدخل، وإن كان مؤقتاً، عبئاً مضاعفاً على الأسر التي تعتمد على الأجر اليومي. ومع غياب شبكات أمان اجتماعي حقيقية أو برامج دعم مخصصة للعمالة غير المنتظمة، يبقى هؤلاء في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق القاسية.
بين من ينجح في تغيير مهنته مؤقتاً، ومن يبقى خارج سوق العمل حتى انتهاء الشهر، تتكرر هذه الحكاية المؤلمة كل عام. رمضان الذي يحمل للكثيرين روحانية وتكافلاً، يكشف في الوقت ذاته هشاشة أوضاع فئات واسعة من أصحاب المهن الصغيرة، الذين يقفون بين مطرقة توقف العمل وسندان الغلاء، في انتظار أن تنقضي أيام الشهر ليعودوا إلى أرزاقهم المعتادة.
اقتصاد
سياسة
سوريا محلي
سياسة