تحول استراتيجي: نتنياهو يستبدل حلم "الفرات إلى النيل" برؤية "من الهند إلى كوش" وتداعياتها الجيوسياسية


هذا الخبر بعنوان "“من الهند إلى كوش” أم “من الفرات إلى النيل”: ماذا يريد نتنياهو؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير العميد محمد الحسيني إلى أن الحلم الصهيوني التقليدي ارتبط دومًا بمساحات جغرافية شاسعة، متمثلاً في عبارة "من الفرات إلى النيل"، التي كانت رمزًا لطموح السيطرة والنفوذ في قلب الشرق الأوسط. إلا أن هذا الحلم يبدو قد شهد تحولًا في الخطاب الرسمي مؤخرًا، حيث استخدم رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو تعبير "من الهند إلى كوش". هذا التغيير لا يمثل مجرد تصريح جغرافي، بل هو إعلان ضمني عن رؤية استراتيجية جديدة تهدف إلى تحويل الاهتمام من الحدود التقليدية للشرق الأوسط نحو فضاءات أوسع وأكثر ترابطًا شبكيًا. تربط هذه الرؤية بين القوة التكنولوجية في الشرق والموارد والممرات الحيوية في الجنوب الإفريقي، مع وضع إسرائيل في القلب كعقدة وصل محورية. بذلك، تلتقي الرموز التاريخية بالسياسة المعاصرة لتشكيل خريطة نفوذ تمتد من الهند شرقًا إلى كوش جنوبًا، متجاوزة الامتداد الأسطوري الكلاسيكي من الفرات إلى النيل.
تكمن النقطة الأكثر حساسية في هذه العبارة الجديدة ليس في "الهند"، بل في "كوش". ففي الذاكرة التوراتية، لا تُعتبر كوش مجرد إقليم هامشي، بل فضاءً غنيًا بالرمزية والاتساع. ورد ذكر كوش في سفر التكوين كجزء من الجغرافيا التأسيسية: «وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّانِي جِيحُونُ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ كُوشَ» (تك 2: 13). كما جاء في سفر إشعياء: «يَا أَرْضَ حَفِيفِ الأَجْنِحَةِ الَّتِي فِي عَبْرِ أَنْهَارِ كُوشَ» (إش 18: 1)، حيث تُصوَّر كأرض نائية مرتبطة بالأنهار والمياه، أي بمصادر الحياة والثروة. ويُشار إليها أيضًا في سفر صفنيا كأحد أطراف العالم التي يمتد إليها الأفق الرسالي. بالتالي، تتجاوز كوش كونها مجرد منطقة في جنوب إفريقيا لتصبح تخومًا كتابية للحلم التوراتي. إن استدعاء هذا الاسم التوراتي بدلًا من الإشارة إلى دولة حديثة ينقل المفهوم من الخريطة السياسية إلى ما يمكن تسميته "الخريطة الحضارية"، حيث تُفهم الجغرافيا كمجال ممتد لا تحده الدولة الوطنية.
من منظور جيوسياسي معاصر، ترمز كوش إلى منابع النيل، ومناطق الذهب والمعادن، والقرن الإفريقي، كما تلامس منطقة البحر الأحمر. هنا تبرز خطورة هذه العبارة تحديدًا بالنسبة لمصر، فالنيل ليس مجرد مورد اقتصادي، بل هو ركيزة وجودية للدولة المصرية. أي حديث عن نفوذ أو حضور استراتيجي في فضاء كوش، أي في المجال الجغرافي المرتبط تاريخيًا بمنابع النهر، يمس مباشرة مفهوم الأمن القومي المصري. إن التأثير في بيئة منابع النيل، سواء من خلال شراكات تقنية أو أمنية أو استثمارات في البنى التحتية، يمنح أي فاعل خارجي قدرة غير مباشرة على التأثير في معادلة المياه والطاقة والاستقرار السكاني داخل مصر. لذا، فإن استدعاء كوش في خطاب سياسي حديث لا يُفسر كرمز تاريخي فحسب، بل كإشارة إلى التفكير في المجال الحيوي الجنوبي للنيل كساحة نفوذ محتملة، مما يحمل دلالات استراتيجية عميقة على ميزان الأمن الإقليمي، ويشكل تهديدًا للأمن القومي الباكستاني أيضًا.
أما الهند، فتمثل الشرق التكنولوجي المعاصر، وهي قوة صاعدة في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي، وشريك متنامٍ لإسرائيل. يساهم الجمع بين الهند وكوش في عبارة واحدة في إنشاء محور يمتد من شرق آسيوي ذي طابع تكنولوجي إلى جنوب إفريقي غني بالمياه والمعادن، مع تمركز إسرائيل في القلب كعقدة وصل تربط بين التاريخ والتكنولوجيا. بهذا، تتحول العبارة من مجرد توصيف جغرافي إلى سردية رمزية واستراتيجية تعكس انتقالًا من منطق الدولة ذات الحدود المحصورة إلى منطق الشبكات الممتدة.
لا يمكن فهم هذا الامتداد الاستراتيجي بمعزل عن صراع القوى الكبرى. فـ الصين، على سبيل المثال، تعمل منذ أكثر من عقد على إعادة رسم خرائط التجارة العالمية من خلال مشروع "الحزام والطريق"، مع تركيزها على الموانئ والممرات البحرية والاستثمار في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. إن وجودها في باكستان وجيبوتي وعدد من موانئ شرق إفريقيا يجعلها لاعبًا محوريًا في معادلة الربط بين آسيا وإفريقيا. في هذا السياق، تبرز الهند، التي تُعد الخصم الجيوسياسي لبكين، كرأس حربة مضاد في جنوب آسيا. وعندما تتموضع إسرائيل إلى جانب الهند، فإنها تندرج ضمن معادلة توازن أوسع لمواجهة التمدد الصيني، مما يحول عبارة "من الهند إلى كوش" إلى جزء من صراع عالمي للتحكم في الممرات، وليس مجرد إعادة تموضع إقليمي.
في الوقت ذاته، لا يمكن فصل هذا التموضع عن دور الولايات المتحدة، التي تتبنى استراتيجية لاحتواء الصين وإعادة توزيع أعبائها في الشرق الأوسط من خلال بناء شبكات تحالف إقليمية. ضمن هذه الهندسة الاستراتيجية، تتحول إسرائيل إلى مركز للتكنولوجيا العسكرية المتقدمة وعقدة وصل بين المتوسط والخليج، وشريكًا قادرًا على الاندماج في منظومة أوسع تضم الهند والإمارات ودولًا غربية. بالتالي، لا تُفسر عبارة "من الهند إلى كوش" كمشروع توسع تقليدي، بل كتموضع ضمن شبكة أميركية أوسع تهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوى في عالم متعدد الأقطاب.
يتضح هنا التحول الجوهري بين العبارتين: فبينما كانت عبارة "من الفرات إلى النيل" تعكس زمنًا تُقاس فيه الهيمنة بالسيطرة على الأرض، فإن عبارة "من الهند إلى كوش" تنتمي إلى زمن تُقاس فيه الهيمنة بالتحكم في التدفقات، مثل البيانات، الطاقة، الممرات البحرية، الذكاء الاصطناعي، والموارد المائية. لم يُلغَ البعد التوراتي، بل أُعيد توظيفه ليمنح المشروع المعاصر عمقًا رمزيًا. تُستدعى كوش ليس كدولة، بل كاسم يحمل حمولة نصية تاريخية عميقة، تمنح الخطاب شرعية داخلية وتوحي بأن هذا الامتداد ليس سياسة عابرة، بل استمرارية سردية. فإذا كان الحلم القديم يعكس تصورًا لمجال حيوي شرق أوسطي، فإن الحلم الجديد يعكس تموضعًا ضمن صراع عالمي بين الولايات المتحدة والصين على الممرات والشبكات. نتنياهو لا يوسع الخريطة فحسب، بل يغير مستواها: من صراع حدود إلى صراع تدفقات، ومن جغرافيا عسكرية إلى جغرافيا شبكية عابرة للقارات. الفارق لا يكمن في المسافة، بل في طبيعة القوة ذاتها؛ من حدود تُحتل إلى شبكات تُدار، ومن جغرافيا توراتية تُستعاد إلى جغرافيا استراتيجية يُعاد صياغتها في قلب نظام دولي يتشكل من جديد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة