رمضان في إسطنبول: السوريون يتمسكون بعادات وطنهم رغم تحديات الغربة وارتفاع الأسعار


هذا الخبر بعنوان "السوريون في إسطنبول يستحضرون ملامح رمضان كما عرفوها في وطنهم" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مدينة إسطنبول، يشكل شهر رمضان المبارك فرصة للعائلات السورية المقيمة فيها لإعادة إحياء العادات والتقاليد التي تربوا عليها في وطنهم. فمع اقتراب أذان المغرب، تتحول الأحياء التي يقطنها السوريون إلى لوحة حية تستحضر أجواء الشهر الفضيل كما عرفوها في قراهم ومدنهم الأصلية. وتفوح من المنازل روائح الأطباق التقليدية المتنوعة، من الكبة والمحاشي والمناسف إلى المعروك والبقلاوة، لتصبح الموائد بمثابة خريطة مصغرة لسوريا، حيث تتشابك الذاكرة مع الحاضر في سعي دؤوب للحفاظ على هذه الطقوس والعادات التي لم تتمكن الغربة من محوها.
وتنتشر في أحياء مثل الفاتح وباشاك شهير وأسنيورت، المتاجر المتخصصة ببيع المنتجات السورية، من الفريكة والكشكة والملوخية إلى دبس الرمان والبهارات الشامية، مما ييسر على العائلات إعداد أطباقها التقليدية. وفي هذا السياق، صرحت آلاء الرفاعي، المقيمة في إسطنبول منذ عشر سنوات، لوكالة "سانا" قائلة: "لا أشعر بقدوم شهر رمضان دون وجود بعض الأصناف التي اعتدنا عليها منذ الصغر على المائدة، مثل الفتوش والشوربة والششبرك، وأحرص على توفيرها دائماً، حتى لو اضطررت لتقليل الكميات، فالمهم ألا تغيب عن الموائد". وأشارت الرفاعي أيضاً إلى عادة "السكبة" المألوفة في سوريا خلال رمضان، والتي تتضمن تبادل أطباق الطعام مع الأقارب والجيران، مؤكدة سعيها للحفاظ عليها في إسطنبول لما تحمله من قيم اجتماعية تعزز الألفة والتكافل بين العائلات.
من جانبه، أكد يحيى الحاج، وهو أب لأربعة أطفال، أن رمضان يمثل فرصة لأولاده الذين ولدوا في إسطنبول للتعرف على الطقوس والعادات الرمضانية التي كانت سائدة في مدينته حماة. ويحرص الحاج على دعوة أقاربه وأصدقائه للإفطار، معتبراً أن "الجمعة" على المائدة جزء لا يتجزأ من روح الشهر الفضيل، وتساهم في تعزيز تلاحم الأسر في بلاد الغربة. كما أشار إلى أن أمسيات رمضان لا تكتمل لديه دون الذهاب إلى المسجد برفقة الأولاد والأصدقاء لأداء صلاتي العشاء والتراويح، تليها جلسات لتناول الحلويات الشعبية مثل لسان الطير وحلاوة الجبن والقطايف.
على صعيد آخر، فرض ارتفاع أسعار اللحوم والخضار والمواد الأساسية تحديات كبيرة على العديد من العائلات السورية، مما أجبرها على إعادة ترتيب أولوياتها خلال شهر رمضان وتقليل تنوع الأطباق على موائد الإفطار. وفي هذا الصدد، أوضح أدهم السعيد، الذي يعمل في مجال بيع الملابس الجاهزة، أن الأسر تسعى للتكيف مع هذه الارتفاعات من خلال الموازنة بين التمسك بالطقوس الرمضانية وإمكاناتها المادية، لافتاً إلى أن الكثير من السوريين في إسطنبول ما زالوا يحرصون على إعداد الأطباق التقليدية، حتى لو بكميات أقل.
من جهته، أشار وليد الخطيب، صاحب متجر سوري في منطقة باشاك شهير، إلى أن غلاء الأسعار يدفع الكثير من السوريين إلى الاستغناء عن بعض الأصناف أو استبدالها ببدائل أرخص، حرصاً منهم على عدم افتقادها على موائدهم الرمضانية.
كما كان لعودة بعض العائلات السورية إلى وطنها بعد "التحرير" تأثير ملحوظ على طبيعة الطقوس الرمضانية في إسطنبول، سواء على موائد الإفطار العائلية أو على حركة بيع المنتجات المرتبطة بالعادات الرمضانية. وأوضح وليد الخطيب أن مغادرة عدد من السوريين أدت إلى تراجع الإقبال على المنتجات مقارنة بالسنوات الماضية، مما ساهم في ارتفاع الأسعار، خاصة بعد قرار بعض أصحاب المحال إغلاق متاجرهم والعودة إلى مدنهم الأصلية.
وفي هذا السياق، أفادت كندة الحواصلي، الباحثة في مركز دراسات سوري، بأن الطقوس والعادات الرمضانية في إسطنبول تأثرت بعودة جزء من السوريين. وأوضحت أن المطاعم والمتاجر السورية كانت تلبي احتياجات السوريين من الأطعمة والعادات الخاصة برمضان، ومع تقلص الشريحة المستهدفة بعد عودة البعض، ارتفعت الأسعار بشكل كبير تحت ذريعة تعويض الخسائر والحفاظ على الأرباح. وأضافت الحواصلي أن بعض المشاريع السورية المتبقية في إسطنبول رفعت أسعارها بما لا يتناسب مع القدرة الشرائية للناس، مما دفع العائلات إلى تخفيف طقوسها الرمضانية واللجوء إلى إعداد الأطعمة والحلويات في المنزل.
في المقابل، يرى ياسين أبو فاضل، وهو صحفي مقيم في إسطنبول، أن عودة جزء من السوريين دفعت العائلات المتبقية إلى التمسك أكثر بالعادات الرمضانية، معتبرين إياها وسيلة للحفاظ على الروابط الاجتماعية والهوية الثقافية. فهذه الطقوس تعزز لديهم شعور الانتماء والاستقرار في بلاد الغربة.
وعلى الرغم من تحديات العودة والضغوط الاقتصادية، يظل رمضان في إسطنبول يحمل جانباً إيجابياً للسوريين، يتمثل في أجواء المساجد والأنشطة الدينية. فهو يبقى مساحة لاستعادة الذكريات وترسيخ الهوية والثقافة السورية في قلوب الأبناء، وجسراً يربط الغربة بالوطن الأم، ولو من خلال مائدة إفطار تجمع العائلة كل مساء.
منوعات
منوعات
سياسة
سوريا محلي