مخيم تل السمن بالرقة: الألغام تحبس النازحين وظروف معيشية قاسية تؤجل العودة


هذا الخبر بعنوان "الرقة.. الألغام تعوق عودة نازحي “تل السمن”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مخيم “تل السمن” شمالي الرقة، يقف عدنان العبود (42 عامًا) كل صباح أمام خيمته المهترئة، متأملاً الأفق البعيد وكأنه يبحث عن طريق مفقود يقوده إلى قريته التي غادرها قبل سبع سنوات. تفاصيل رحلة النزوح القاسية من منزله في خريجة الشيخ قادر شرقي ناحية عين عيسى بالريف الشمالي من محافظة الرقة، لا تزال محفورة في ذاكرته، رحلة بدأت بخوف مفاجئ وتستمر بانتظار طويل لا يلوح في الأفق ما يشير إلى نهايته.
صرح عدنان لعنب بلدي بأن خيمته لم تعد تقوى على مواجهة قسوة الفصول، تمامًا كما لم تعد ذاكرته تحتمل ثقل السنوات التي أبعدته عن أرضه. يجد عدنان نفسه، ومعه مئات العائلات النازحة، عالقًا بين واقع المخيم القاسي وأمل العودة الذي يصطدم بحقول الألغام التي خلّفتها خطوط التماس.
نزح عدنان ومئات العائلات من القرى الواقعة على خطوط التماس بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) و”الجيش الوطني السوري”، وذلك بعد عملية “نبع السلام” التي انطلقت في تشرين الأول عام 2019، والتي أسفرت عن سيطرة فصائل “الوطني” على منطقتي رأس العين بريف محافظة الحسكة وتل أبيض بريف الرقة. تحولت قرى في ريف الرقة الشمالي إلى خطوط تماس بعد توقف تمدد “الجيش الوطني” في المنطقة، ليصبح الطريق الدولي “M4” خطًا فاصلًا بين منطقتي سيطرة كل من “الوطني” و”قسد”.
كانت القوات الروسية تتمركز في الجهة الشرقية لعين عيسى ضمن قاعدة مستقلة، إلى جانب انتشار قوات النظام السابق على طول خطوط التماس مع “الجيش الوطني”. تحولت هذه الخطوط إلى مناطق اشتباك مفتوح شهدت عدة مواجهات بين “الوطني” و”قسد” خلال السنوات الماضية، قبل انسحاب الأخيرة نحو محافظة الحسكة بعد عملية عسكرية واسعة شنها الجيش السوري.
وفقًا لروايات النازحين، لا تزال معظم القرى الواقعة على خطوط التماس مهجورة حتى اليوم، ومحاطة بحقول ألغام وسواتر ترابية وخنادق عسكرية، مما يمنع الأهالي من العودة أو حتى الاقتراب من منازلهم. هذا الواقع يجعل إزالة الألغام الشرط الأول لأي عودة آمنة. يؤكد النازحون أن قراهم والعشرات من القرى المجاورة كانت بمثابة “خط نار” بين الطرفين، الأمر الذي دفع مئات العائلات إلى الفرار نحو مخيم “تل السمن” الذي أنشأته “الإدارة الذاتية” أثناء سيطرتها على المنطقة، والذي يضم اليوم نحو 500 عائلة.
زهرة أحمد، نازحة من قرية الصوافية شرقي عين عيسى، قالت إنها لم ترَ منزلها منذ سبع سنوات، بعد أن غادرته تحت ضغط القصف، ومنذ ذلك الحين لم تتمكن حتى من تفقده. وأضافت أن قريتها اليوم محاطة بالألغام، وقد وقعت عدة حوادث انفجار لأشخاص حاولوا الوصول إلى منازلهم أو مواشيهم. وتلخّص حال كثير من النازحين من ريف تل أبيض بقولها، إن “الخوف من الألغام بات أكبر من الحنين إلى الأرض”.
في مخيم “تل السمن”، لا تتوقف المعاناة عند حدود النزوح الطويل. يصف عدنان العبود وضع المخيم، الذي يضم مئات العائلات، بأنه “سيئ للغاية”، في ظل غياب المنظمات الداعمة وافتقار المخيم لأبسط الخدمات الأساسية، بينما يضم المخيم آلاف النازحين أغلبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن.
وسط هذه الظروف، كبر جيل كامل من الأطفال داخل الخيام، بعضهم وُلد بعد النزوح ولم يرَ قريته قط. يركض الأطفال في أزقة المخيم الترابية بين الخيام المهترئة، يصنعون ألعابهم من بقايا العلب البلاستيكية وقطع القماش، بينما تبدو الطفولة هنا مؤجلة ومثقَلة بواقع النزوح. تقول أمهات في المخيم إن أبناءهن يسألون كثيرًا عن معنى “البيت” و”القرية”، وهي كلمات يسمعونها في أحاديث الكبار دون أن يعيشوا تفاصيلها، وبعض الأطفال باتوا يعتبرون المخيم موطنهم الوحيد، بعدما أمضوا سنوات عمرهم الأولى كلها داخله.
تشتكي خولة العلي (34 عامًا)، النازحة من ريف تل أبيض، من صعوبة تأمين العمل، مشيرة إلى أن المساعدات الغذائية كانت “بسيطة ولا تكفي”، قبل أن تتوقف نهائيًا منذ سيطرة الجيش السوري على كامل المنطقة. ولفتت خولة إلى أن قاطني مخيم “تل السمن” كانوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات غير الحكومية خلال السنوات الماضية رغم شحها، إلا أن انقطاعها زاد من المعاناة التي يعيشها النازحون. يشدد النازحون على أن أي حديث عن العودة يبقى مؤجلًا ما لم تُزل الألغام وتُرفع التحصينات العسكرية عن قراهم، معتبرين أن ذلك هو المفتاح الحقيقي لعودة آمنة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي