في سوريا.. فاتورة علاج الأسنان تثقل كاهل المواطن وتجبره على خيارات صعبة


هذا الخبر بعنوان "علاج الأسنان في سوريا.. الألم أرخص خيارات المواطن" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد يعكس واقعاً مؤلماً، كانت سارة، البالغة من العمر 43 عاماً، والتي تعمل موظفة في القطاع العام، منهمكة في التفكير بوجبة الإفطار حينما باغتها إحساس غريب في فمها. لم يكن ألماً حاداً بالمعنى التقليدي، بل شعوراً مفاجئاً دفعها لتلمس ضرسها، لتكتشف أنه يتفتت بهدوء ودون أي وجع جسدي ملحوظ. لكن الهدوء الجسدي لم يدم طويلاً، فسرعان ما اجتاحتها آلام التفكير في العواقب المالية والتكاليف الباهظة المنتظرة، لتطغى على كل ما عداها من أفكار. (سناك سوري - رحاب تامر)
لم تنتظر سارة طويلاً، بل سارعت إلى حجز موعد عاجل لدى طبيبة الأسنان. هناك، جاء التشخيص سريعاً: كسر في الضرس الذي سبق أن أُزيل عصبه قبل نحو عام، مما جعله هشاً ومعرضاً للتفتت. لم يكن السؤال الذي شغل سارة طبياً بقدر ما كان مالياً: كم ستكلف المعالجة؟ كانت الإجابة مختصرة وقاسية: تركيب ضرس من الزيركون بكلفة 750 ألف ليرة سورية، وذلك لأن لثتها حساسة وتعاني من تراجع ولا تحتمل الخزف الأقل ثمناً. ومع الكشف، تبين وجود سنين آخرين منخورين يحتاجان إلى علاج فوري، بكلفة 200 ألف ليرة لكل واحد منهما، إضافة إلى تنظيف اللثة من التكلس مقابل 100 ألف ليرة. المحصلة كانت فاتورة علاج بلغت مليوناً و250 ألف ليرة.
هذه الفاتورة لا تعرف سارة كيف ستدفعها. كل ما سمعته لاحقاً من الطبيبة هو إمكانية التقسيط على مدى شهرين، وكأن الزمن وحده قادر على حل معضلة الأرقام. تتقاضى سارة راتباً شهرياً قدره مليون و32 ألف ليرة، وتعيش في منزل مستأجر، وزوجها شبه عاطل عن العمل نتيجة الركود في السوق. لا يوجد مورد آخر للعائلة سوى عمل جانبي تقوم به سارة بعد دوامها الرسمي. بات عليها اليوم أن توزع عائدات هذا العمل بين إيجار المنزل، وتكاليف المعيشة لعائلة مؤلفة من ثلاثة أفراد، وكلفة إصلاح ضرس انهار فاتحاً الباب على انهيار من نوع آخر.
لا تختلف قصة لميس، البالغة من العمر 45 عاماً، كثيراً عن قصة سارة، سوى في التفاصيل التي تقود إلى النتيجة ذاتها. تعمل لميس في مكتب تجاري، وراتبها الشهري بالكاد يصل إلى 700 ألف ليرة. خلال السنوات الماضية، فقدت ضرسين بالكامل نتيجة التسوس الذي لم تتمكن من معالجتهما في الوقت المناسب. تقول لميس إن علاج الضرسين كان سيكلف على الأقل مليوناً ونصف المليون ليرة، وهو مبلغ لم يكن متاحاً بالنسبة لها، فاختارت تجاهل الألم وتبعاته، والتكيف مع الفراغ الذي تركه غياب الأسنان، على أمل أن يبقى الضرر عند هذا الحد.
القرار نفسه اتخذه زوجها أحمد، الذي قال لـ"سناك سوري" إنه غالباً ما يعتمد على المسكنات لتخفيف الألم، وحين يشتد، يذهب إلى طبيب الأسنان لتنظيف الخراج فقط، من دون أن يجرؤ على التفكير بحشو الأضراس المتضررة، فحشو الضرس الواحد قد يكلف نحو 200 ألف ليرة، وعدد الأضراس التي تحتاج إلى علاج لديه ثلاثة. لكن الألم لا يقف عند حدود الزوجين، فطفلتهما بحاجة إلى تقويم أسنان، بكلفة تقديرية تصل إلى خمسة ملايين ليرة، وهو رقم لم يدخل حيز التفكير الجدي بعد. يعمل أحمد في وظيفة حكومية، ولا يتجاوز راتبه 850 ألف ليرة، بالكاد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة.
بين تجاهل العلاج، وتأجيله، والاكتفاء بالحلول الإسعافية، تتحول صحة الفم والأسنان إلى كماليات يمكن الاستغناء عنها، في عائلات بات عليها أن تختار بين الألم اليومي، أو أرقام لا قدرة لها على تحملها، في مشهد يتكرر بمنازل كثيرة.
تقول طبيبة أسنان في اللاذقية لـ"سناك سوري"، مفضلة عدم الكشف عن اسمها، إن كلفة تلبيسة الخزف تصل إلى نحو 300 ألف ليرة من دون معالجة، في حين تبلغ كلفة تلبيسة الزيركون 750 ألف ليرة، وهي تسعيرة تعتبرها متوسطة ويعتمدها غالبية أطباء الأسنان، مع وجود فروقات صعوداً أو هبوطاً بين عيادة وأخرى. وبحسب الطبيبة، تبلغ كلفة قلع السن 100 ألف ليرة، فيما تتراوح كلفة الحشوة الضوئية بين 125 ألفاً و200 ألف ليرة، وتصل كلفة تنظيف الأسنان واللثة من التكلس إلى 100 ألف ليرة. وتشير إلى أن الطبيب هو من يحدد التسعيرة في الغالب، تبعاً لموقع العيادة، وما إذا كانت مستأجرة أم مملوكة، إضافة إلى سمعته المهنية.
وتلفت الطبيبة إلى أن رفع أسعار الكهرباء سينعكس حتماً على أجور علاج الأسنان، باعتبار أن معظم الأدوات المستخدمة في العلاج تعتمد على الطاقة الكهربائية، في حين أن أسعار المواد العلاجية "عادية"، ولم تشهد انخفاضاً ملموساً رغم تراجع سعر الصرف. وتضيف أن كلفة زراعة الأسنان تتراوح بين 300 و600 دولار للسن الواحد، ما يجعل هذا الخيار خارج متناول شريحة واسعة من المرضى.
من جهتها، تقول طبيبة أسنان أخرى في حلب لـ"سناك سوري"، مفضلة أيضاً عدم الكشف عن اسمها، إن كلفة الحشوة من دون سحب عصب تتراوح بين 150 ألفاً و500 ألف ليرة، بينما ترتفع مع سحب العصب إلى ما بين 350 ألفاً و850 ألف ليرة بالمتوسط. أما تلبيسة الزيركون في حلب، فتتراوح بين 500 ألف ليرة و100 دولار وما فوق، تبعاً للطبيب والمخبر المعتمد. وتوضح الطبيبة أن تحديد الأجر يرتبط بشكل مباشر بكلفة المخبر، مشيرة إلى أن الفوارق بين المخابر لا تعود إلى اختلاف المواد المستخدمة، بقدر ما ترتبط بالتقنيات المعتمدة وجودة العمل النهائي، ما ينعكس مباشرة على السعر الذي يتحمله المريض.
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي