تداعيات حرب الـ12 يومًا: صراع الردع بين واشنطن وطهران وحسابات ترامب المعقدة


هذا الخبر بعنوان "دروس حرب الـ12 يومًا والحسابات الجديدة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل نظام دولي يشهد مرحلة إعادة تشكّل وإقليم اختلت توازناته، يعود الملف الأمريكي-الإيراني إلى واجهة الأحداث. تتشابك مباحثات غير مباشرة تحمل إشارات تعثر، مع تصعيد عسكري كبير، مما يدفع الطرفين إلى مرحلة اختبار جديدة تقع ضمن حدود إدارة المخاطر ومنطق الردع.
لقد وظفت الولايات المتحدة كافة أدوات الردع المركب والمتعدد، مستفيدة من تفوقها العسكري والتكنولوجي، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية، لحماية مصالحها وتعظيم نفوذها التفاوضي. يهدف هذا النهج إلى إخضاع المفاوض الإيراني وترهيبه للموافقة على شروط مقبولة أمريكيًا وصهيونيًا. في المقابل، يكمن النموذج الإيراني للردع في توزيع القوة عبر حلفاء إقليميين، والاعتماد على حروب الصواريخ والمسيّرات منخفضة التكلفة، وقدرة اقتصادها على التكيف مع تشديد العقوبات. وقد اعتمدت إيران على الصين كأكبر مشترٍ لنفطها، ضمن علاقة تميل لمصلحة بكين، وعمقت شراكتها مع روسيا.
كشف تقرير صادر عن أكاديمية الاستخبارات التركية (MIA) بتاريخ 1 من آب 2025، بعنوان: "حرب الأيام الـ12: الدروس المستخلصة لتركيا"، بعد تحليل موسع للحرب بين إيران وإسرائيل على مدار الـ12 يومًا، أن إسرائيل استخدمت عمليات متعددة الأبعاد. دمجت هذه العمليات الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية وعمليات المعلومات بشكل متكامل ومكثف. من أبرز الدروس المستخلصة أن السيطرة الإسرائيلية على الطيف الكهرومغناطيسي شلّت الدفاعات الإيرانية ذات البنية المركزية ضعيفة المرونة، وكان لذلك أثر نفسي كبير في الحرب. كما أن تدمير البنية التحتية للرادارات وشبكات القيادة خلال أول 72 ساعة من الهجوم، أفقد إيران القدرة على رد فعال. واعتبر التقرير أن استخدام البعدين السيبراني والكهرومغناطيسي كان عاملًا حاسمًا في نتائج الصراع.
في المقابل، عالجت إيران بعض الثغرات، بما في ذلك الشبكات الدفاعية، عبر عدة خطوات. على سبيل المثال، أنشأ "المجلس الأعلى للأمن القومي"، وهو أعلى سلطة في رسم السياسة الأمنية في البلاد ويعمل بإشراف مباشر من المرشد الأعلى، مجلس الدفاع الوطني الأعلى في 4 من آب 2025، برئاسة رئيس الجمهورية ورؤساء السلطات الثلاث وقادة القوات المسلحة. يهدف هذا المجلس إلى تنسيق الاستراتيجية الدفاعية للبلاد وتعزيز قدرات القوات المسلحة بشكل مركّز بعد حرب الـ12 يومًا. يُرجح أن إنشاءه جاء لمعالجة التكامل بين الأجهزة الأمنية، بما في ذلك الدفاعية والاستخباراتية، خاصة بعد العملية المباغتة التي قامت بها إسرائيل وشلّت قدرة منشآت رادارات الدفاع الجوي وبطاريات الصواريخ، وسيطرت على مجالها الجوي من غرب البلاد إلى طهران. لكن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) رجّح تفضيل إيران إيجاد حلول وتعديلات للثغرات المكشوفة بدل تغييرات كبيرة على استراتيجيتها الشاملة.
كما أعادت إيران بناء وتعزيز قدرتها العسكرية، وخاصة قدراتها الدفاعية الجوية، حيث استبدلت أنظمة الدفاع الجوية المتضررة استعدادًا للأعمال العدائية ضدها. وعلى صعيد تعيين علي لاريجاني أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي بعد الحرب، والذي كان قد شغل هذا المنصب من 2005 حتى 2007، وكان كبير المفاوضين في البرنامج النووي الإيراني، وعُرف بقدرته على التكيف في المراحل الحرجة وولائه الثابت للمرشد، يُفترض به اليوم إعادة صياغة المفاهيم الاستراتيجية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، و"رصد أولويات قضايا الأمن القومي ومخاطره، ولا سيما التهديدات المستجدة والتقنية". ولكن ربما يتمكن لاريجاني من إدارة الأزمة الحالية، إلا أن الاختلالات البنيوية في النظام الإيراني ستظل قائمة.
رغم الإيحاء بوجود إرادة لمعالجة الخلل البنيوي في منظومة الاستخبارات الإيرانية بعد الاختراقات الإسرائيلية، فإن هناك عوامل هيكلية تبدد إمكانيات مكافحة الاختراق وشبكاته. من هذه العوامل التنافس بين جهازي وزارة الاستخبارات (MOIS) واستخبارات "الحرس الثوري" (IO-IRGC) من حيث تكرار المهام والتضارب في الصلاحيات، وبيئة تكرس الولاء لا التخصص، ناهيك بتوظيف الدور الاستخباراتي للقمع الداخلي وإعطاء الأولوية لضبط المجتمع. إلى جانب ذلك، فإن التصدي للحرب السيبرانية الإسرائيلية وتطوير منظومة دفاع كهرومغناطيسية أو سيبرانية كجزء من استراتيجية وطنية قادرة على ردع الهجمات على الطيف الكهرومغناطيسي، سيقتصر على قطع الإنترنت لتقييد الوصول وتعزيز السيطرة على الفضاء الإلكتروني، كما فعلت خلال الانتفاضة الأخيرة.
يواجه ترامب وإدارته تقاطع ضغوط داخلية جعلت خيار "عسكرة الدبلوماسية" مع إيران خيارًا مناسبًا لهم بدل تحمل تبعات صراع مفتوح. فهي استعراض للقوة، وتوفر ضغطًا على الطرف الآخر، ولا تتطلب استنزاف التعبئة العسكرية، ويمكن تسويقها داخليًا كحزم ضغط دون حرب مفتوحة. وهي سياسة قابلة للتراجع أو لتنفيذ هجمات عسكرية تحت ذريعة ما، كاستخدام "الوقت" وانتهاء مهلة الـ60 يومًا التي حددها ترامب بنفسه بعد أشهر من مفاوضات غير مباشرة بينهما. وقد شنت إسرائيل ضربات جوية على إيران في 13 من حزيران 2025، تبعها هجوم أمريكي مباغت في 22 من الشهر نفسه، استهدف منشآت نووية في فردو ونطنز وأصفهان، وصفته طهران بـ"الخيانة الدبلوماسية".
تشكل الانقسامات والتحديات الداخلية قيودًا على خيارات ترامب في السياسة الداخلية والخارجية، بما في ذلك مآلات استخدام "سلاح الخوف" كما وصفه ترامب بالتوازي مع المفاوضات أو حجم الخيار العسكري الذي قد يستخدم ضد إيران. أول هذه التحديات هي الانقسامات بين الجمهوريين حول سياسات اقتصادية وسياسية كبرى، حيث عارض عدد من أعضاء مجلس النواب قرار ترامب في المجلس ورئيسه في شباط الماضي، وصوتوا مع الديمقراطيين على قرار إلغاء تعريفات جمركية فرضها ترامب، واعتبروها ضررًا اقتصاديًا وحماية لصلاحيات الكونجرس رغم تحذيرات البيت الأبيض. تعكس هذه الواقعة، وغيرها، انقسامات داخل الحزب الجمهوري حول الدور الاقتصادي لمنصب الرئاسة وصلاحياته، وانقسامات في إطار السياسة الداخلية، كقيادة جلسات استماع حول ممارسات إدارة الهجرة والجمارك (ICE) رغم تحفظات البيت الأبيض. وقد برزت تلك الانقسامات منذ العام الماضي، حيث واجه ترامب مقاومة متزايدة وغير معتادة من أعضاء في حزبه الجمهوري بالكونجرس.
من جهة أخرى، تتطلب الانتخابات النصفية المقبلة للكونجرس في 3 من تشرين الثاني حسابات دقيقة لحرب عسكرية مفتوحة ضد إيران قد يكون لها تبعات على نتائج الانتخابات وآثار على الدعم الشعبي للجمهوريين. ولا سيما أنها حسابات تتسق مع مساعٍ تشريعية بذلت في الكونجرس منتصف العام الماضي تتعلق بمنع ترامب من استخدام القوة العسكرية ضد إيران دون تفويض من الكونجرس، وهي أصوات تخشى من جر الولايات المتحدة إلى صراع طويل.
يضاف إلى التحديات أثر "ملفات أبستين" التي كشفت عمق ووصول شبكته للجريمة الدولية المنظمة، التي استخدمت الاتجار بالبشر والعنف الجنسي ضد القُصر والقتل والابتزاز السياسي، كأدوات لبناء علاقات عابرة للحدود والقطاعات ومنظومة استخباراتية تخترق مؤسسات صنع القرار وشخصيات مفتاحية حول العالم. وهي لا تزال محمية وبعيدة عن المساءلة والمحاسبة، وضحاياها محرومون من العدالة وجبر الضرر، والإجراءات القانونية محدودة وفردانية وأدائية، لا تقترب من تفكيك هيكلة المظالم والعوامل والمسارات التي أسهمت بنشوئها وتوسعها وتأمين حصانتها.
إلى جانب ذلك، يشهد ترامب تراجعًا في شعبيته. فمثلًا، نشر استطلاع أجراه معهد "غالوب" في كانون الأول 2025 تراجع شعبيته إلى 36%، وأظهر أيضًا أن 59% لا يؤيدونه. وهذا العام، امتنع المعهد عن نشر شعبية الرؤساء بعد 90 عامًا من العمل المتواصل في هذا المجال، ويُرجح أن سبب ذلك هو تراجع شعبيته لمستوى أدنى من ذلك، إضافة إلى تهديد ترامب لمعاهد استطلاع الرأي بأنها تنشر أرقامًا مزيفة ضده. علاوة على ذلك، فثمة خشية من المخاطر السياسية والتحالفات الانتخابية جراء الاحتجاجات الشعبية ضد سياسات الهجرة والترحيل القسري التي يقوم بها ترامب وإدارته.
في ضوء المعطيات الراهنة، والمحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، والتحشيد العسكري الكبير، لا يتجه سير المعطيات إلى وقوع حرب شاملة قد تتجاوز قدرة الأطراف على احتواء مخاطرها وتداعياتها، ولا إلى تسوية مستقرة ودائمة. بل هي إدارة لمرحلة تبقى فيها الضربات الأمريكية المحدودة المحتملة ضد إيران ضمن صندوق أدوات ترهيب الخصم وإجباره على تقديم تنازلات. وتدرك إيران أن السلوك الحذر وإدارة الصراع، مع تموضع ردعي في المنطقة دون اختبار أدواتها، أفضل من تداعيات قد تهز أركان النظام نفسه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة