ألمانيا تواجه تحدياً ديموغرافياً خطيراً: تراجع المواليد وشيخوخة السكان تهدد مستقبل البلاد


هذا الخبر بعنوان "دويتشه فيله : مجتمع يشيخ وولادات تتراجع .. ألمانيا في قبضة تغير الديموغرافيا" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشكل الرقم "1.35" مؤشراً مقلقاً للسياسيين في ألمانيا، حيث يبلغ متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم كل امرأة 1.35 طفلاً، وهو ما يقل بكثير عن المعدل المطلوب للحفاظ على استقرار عدد السكان البالغ 2.1 طفل. هذه الأرقام، الصادرة عن حسابات المكتب الاتحادي للإحصاء، تكشف عن تراجع مستمر في المواليد. ففي عام 2025، بلغ عدد المواليد حوالي 650 ألف طفل، بينما كان في عام 2024 حوالي 677 ألف طفل. في المقابل، شهد كلا العامين وفاة نحو مليون شخص. ونتيجة لذلك، انخفض عدد سكان ألمانيا بحوالي 100 ألف شخص ليبلغ 83.5 مليون نسمة بحلول 31 ديسمبر/ كانون الأول 2025.
وفي هذا السياق، أكدت كاتارينا شبيس، مديرة المعهد الاتحادي لأبحاث السكان، خلال عرض إحصاءات السكان في برلين، أن تكوين الأسرة لا يزال يمثل أولوية لدى الألمان. وتتساءل شبيس: "لا يزال الناس يرغبون في إنجاب أطفال، والسؤال الآن هو: لماذا لا ينجبونهم بالفعل؟" مشيرة إلى أن معدل المواليد في ألمانيا قد يصل إلى 2.4 طفل لو تحققت رغبات الإنجاب التي يعبر عنها الشباب بين 19 و29 عاماً في الاستطلاعات. وتضيف شبيس أن "الأمان عامل مهم جداً في تحقيق الرغبة في الإنجاب، وقد أدت الأزمات المتعددة إلى عدم تحقيق الناس لرغباتهم بالفعل".
بالإضافة إلى حالة عدم اليقين العالمية، تواجه الأسر الألمانية مشكلات ملموسة مثل نقص السكن، وارتفاع الإيجارات، وغياب أو عدم موثوقية خدمات رعاية الأطفال. يزداد القلق من التدهور المالي، حيث يضطر الآباء والأمهات غالباً إلى تقليل ساعات عملهم. ونتيجة لذلك، يتزايد عدد الأشخاص الذين يؤكدون أنهم لم يعودوا قادرين على تحمل تكاليف إنجاب الأطفال في ألمانيا.
يقوم المكتب الاتحادي للإحصاءات بإجراء حسابات منتظمة لتطور السكان في العقود القادمة، وهي أرقام حيوية للسياسة والاقتصاد، لما لها من عواقب وخيمة على مستقبل البلاد من حيث عدد السكان وتوزيعهم العمري. وتمتد أحدث هذه الحسابات المستقبلية حتى عام 2070، وتكشف عن توقعات جديدة تشير إلى احتمال تقلص عدد السكان بنحو عشرة في المائة، مع تأكيد أن الهجرة وحدها لن تتمكن من تعويض هذا الانخفاض.
على الرغم من أن انخفاض عدد السكان الإجمالي في ألمانيا قد لا يكون مشكلة بحد ذاته، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في شيخوخة المجتمع. فبينما يتناقص عدد الأطفال والشباب، يتوقع كارستن لومر، رئيس قسم السكان في المكتب الاتحادي للإحصاء، زيادة كبيرة في أعداد كبار السن. ويشير لومر إلى أن جيل "الطفرة السكانية"، الذي وُلد في ستينيات القرن الماضي وشهد أكثر من مليون مولود سنوياً، يمر حالياً بمرحلة الانتقال من الحياة العملية إلى التقاعد، بعد أن انخفض معدل المواليد بشكل حاد لاحقاً. ويوضح لومر أن "في الوقت الحالي هناك 33 شخصاً في سن التقاعد مقابل كل 100 شخص في سن العمل".
من المتوقع أن يتجاوز حوالي ربع سكان ألمانيا سن التقاعد التقليدي البالغ 67 عاماً بحلول عام 2035. وبحلول عام 2050، سيرتفع عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 80 عاماً من حوالي ستة ملايين حالياً إلى نحو تسعة ملايين. تثير هذه التوقعات قلقاً خاصاً لدى علماء الاقتصاد والعلوم الاجتماعية. ويطالب الاقتصادي يواكيم راغنيتس من معهد ifo في مدينة دريسدن الألمانية، بضرورة "أخذ الزيادة في انخفاض عدد السكان وشيخوخة السكان في الاعتبار اليوم عند اتخاذ القرارات السياسية ذات الأثر طويل المدى، على سبيل المثال في مجال الصحة والرعاية".
يواجه نظام المعاشات التقاعدية ضغوطاً هائلة، خاصة وأن هذا التطور الديموغرافي يؤدي إلى نقص حاد في القوى العاملة. ويوضح كارستن لومر من المكتب الاتحادي للإحصاء هذا التناقض بقوله: "لدينا معدل مواليد منخفض، ولكن نظامنا الاجتماعي يتصرف كما لو كان معدل المواليد مرتفعاً". ويضيف لومر أنه كان يجب الإجابة منذ زمن طويل على سؤال حول الشكل المستقبلي للنظام الاجتماعي، معترفاً: "لقد فوتنا هذه الفرصة". حالياً، يحتاج حوالي 40 في المائة من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 80 عاماً إلى نوع من الرعاية. ومع تزايد أعداد كبار السن، تزداد الحاجة إلى القوى العاملة في مجال الرعاية، حيث يعمل حالياً حوالي 280 ألف شخص في رعاية المسنين بالعيادات الخارجية، لكن لومر يتوقع أن يصل العدد المطلوب إلى 690 ألفاً بحلول عام 2049.
في السنوات الماضية، تم تعويض انخفاض معدلات المواليد والهجرة من ألمانيا جزئياً عن طريق الهجرة الوافدة، مما ساهم في نمو سكاني مستمر منذ عام 1990، حيث وصل إجمالي عدد المهاجرين إلى ألمانيا إلى 11 مليون مهاجر. وقد شهدت البلاد تدفقات أعلى من المتوسط في عامي 2015/2016 وبعد عام 2022، نتيجة للحروب في سوريا وأوكرانيا. ومع ذلك، نادراً ما تمكن هؤلاء المهاجرون من الاندماج بسرعة في سوق العمل. ويرى مارتن فيردينغ، أحد المستشارين الاقتصاديين للحكومة الاتحادية، أن هذا يمثل إخفاقاً سياسياً، موضحاً أن "النهج الألماني يركز بشكل كبير على تعلم اللغة والتعليم، وغالباً ما يركز لفترة طويلة على فحص المؤهلات الموجودة بدلاً من الاعتراف بها".
وبعد عشر سنوات من موجة الهجرة التي بدأت في عامي 2015 و2016، يعمل ثلثا اللاجئين حالياً، وفقاً لدراسة أجراها معهد أبحاث سوق العمل والمهن. أما بالنسبة للاجئات من أوكرانيا، ومعظمهن من النساء، فإن نسبة العاملات لا تتجاوز 31 في المائة. يعيش حالياً أكثر من مليون أوكراني في ألمانيا، ويشكلون ثاني أكبر مجموعة غير ألمانية بعد الأتراك. وتوضح خبيرة السكان كاتارينا شبيس أن "لقد ساهموا في تغيير جذري في التركيبة السكانية الألمانية"، وتتساءل: "هل يمكننا الاعتماد عليهم، هل يريدون البقاء؟" ويجري معهد شبيس استطلاعات مرتين سنوياً، حيث "زادت نية البقاء لدى الأوكرانيين بشكل كبير، إذ يرغب 42 في المائة منهم في البقاء". ومع ذلك، يزداد عدم اليقين أيضاً ضمن هذه المجموعة، حيث "يقول المزيد منهم اليوم إنهم لا يعرفون. ويقول الكثير من الأطفال والمراهقين إنهم لا يستطيعون تخيل البقاء هنا إلى الأبد".
لا يستطيع المكتب الاتحادي للإحصاء التنبؤ بالمستقبل بشكل محدد، لذا يتم حساب التوقعات السكانية باستخدام سيناريوهات مختلفة تعتمد على المكونات الديموغرافية الثلاثة: معدل المواليد، ومتوسط العمر المتوقع، وصافي الهجرة. تتفق جميع السيناريوهات على نقطة واحدة: الهجرة يمكنها أن تخفف من مشاكل ألمانيا، لكنها لا تستطيع حلها بشكل كامل. فمن الناحية الواقعية، لن تتمكن الهجرة من توفير العدد الكافي من العمال، وبالتالي من دافعي الاشتراكات في صناديح الرعاية الصحية والتقاعد. ووفقاً لكارستن لومر من المكتب الاتحادي للإحصاء، فإن أقل ما يمكن فعله هو الحفاظ على صحة كبار السن لأطول فترة ممكنة. ويضيف: "يمكننا أن نأمل في التقدم الطبي"، مقدماً نصيحة مباشرة للناس بممارسة المزيد من النشاط البدني وتقليل استهلاكهم للكحول والتدخين بشكل كبير.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
منوعات