أزمة الوقود تعيد ظاهرة الطوابير إلى سوريا: بين الشائعات ونقص الثقة وغياب المخزون الاستراتيجي


هذا الخبر بعنوان "عودة ظاهرة الطوابير في سوريا.. ليست الشائعات وحدها هي السبب" نشر أولاً على موقع eqtsad وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت معظم المدن السورية، يوم الثلاثاء، عودة ملحوظة لمشاهد الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود، سعيًا للحصول على مادتي المازوت والبنزين. تأتي هذه الظاهرة لتضاف إلى الصعوبات المستمرة منذ أسابيع في تأمين أسطوانات الغاز المنزلي، مما يمثل ارتدادًا غير مرغوب فيه إلى حقبة ما قبل سقوط نظام الأسد، حيث ارتبطت إدارة معيشة السوريين في سنوات حكمه الأخيرة بظاهرة الطوابير التي كانت تستنزف وقتهم وكرامتهم.
الشائعات ودورها في تحريك الطلب
في بيان متزامن مع تصريحات لمسؤولين، نفت وزارة الطاقة وجود أي نقص في المشتقات النفطية بالبلاد (البنزين والمازوت والغاز المنزلي). وأوضحت الوزارة أن الازدحام المسجل في بعض المحطات كان نتيجة لتضاعف مفاجئ في الطلب تجاوز 300% مقارنة بالمعدلات الطبيعية، مدفوعًا بالقلق المرتبط بالتطورات الإقليمية. وقد أيدت بعض عمليات الرصد الإعلامية جزءًا من هذا الطرح.
ووفقًا لطرح الوزارة، فإن تطورات الحرب بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وإغلاق مضيق هرمز، واستهداف إيران لمواقع نفطية بدول الخليج، وارتفاع تكلفة النقل البحري للمشتقات النفطية، كلها عوامل أسهمت في إطلاق شائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن فقدان مادتي البنزين والمازوت في السوق السورية. هذا ما دفع عددًا كبيرًا من السوريين للتوجه بكثافة نحو محطات الوقود لشراء ما يمكنهم خشية فقدانها فعليًا في الأيام القادمة، مما أدى إلى قفزة نوعية في معدلات الطلب وخلق مشاهد الطوابير، موحيًا بوجود أزمة ناجمة عن نقص العرض.
قراءات أخرى للمشهد تتجاوز الشائعات
على النقيض من بيان وزارة الطاقة، قدمت آراء أخرى، عبر عنها السوريون بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، قراءات مختلفة للمشهد على الأرض. وقد تعرضت الوزارة لانتقادات حادة بسبب طريقة إدارتها لعمليات توزيع المشتقات النفطية. فقد لوحظ وجود محطات وقود مغلقة، وأخرى ادعى القائمون عليها فقدان المواد من الأسواق، بالإضافة إلى اختفاء ملحوظ لبائعي المشتقات النفطية المتجولين بـ"بيدوناتهم" في العديد من المدن السورية.
فسر البعض هذا المشهد على الأرض بوجود نقص حقيقي في توريدات المشتقات النفطية، مكذبين بذلك بيان الوزارة. بينما اعتبره آخرون انعكاسًا لحالة احتكار من جانب موزعي هذه المواد، وفشل السلطات المعنية في ضبط هذه الشريحة التي تستهدف تحقيق أرباح مضاعفة عبر إخفاء المواد من السوق لرفع الطلب عليها وزيادة أسعارها. وفي هذا السياق، ذكر أكثر من شاهد عيان وجود أشخاص يصطحبون 3 أو 4 أسطوانات غاز منزلي لاستبدالها بأسطوانات معبأة، ثم يبيعونها بأسعار مرتفعة للأشخاص الذين لا يرغبون في الانتظار طويلاً. كما توجد حالة اكتناز احترازي للمشتقات النفطية والغاز، حيث يشتري البعض أكثر من حاجته تحسبًا للأيام القادمة، مما يزيد الطلب بشكل كبير عن الأوضاع الطبيعية. وبناءً على هذه التفسيرات، طالب معلقون بالعودة إلى نظام البطاقة الذكية أو أي آلية جديدة لتنظيم الحصول على المشتقات النفطية، بما يمنع من يشتري أكثر من حاجته أو يتاجر بها من الاستحواذ على حصة الآخرين.
فقدان الثقة وغياب المخزون الاستراتيجي
تكشف هذه التجربة جملة من الحقائق التي يجب على الجهات المعنية أخذها بعين الاعتبار. أبرزها، حالة فقدان الثقة الملحوظة بتصريحات المسؤولين، وهي نتيجة طبيعية لسياسة رفع سقف التوقعات وتقديم تصورات إيجابية مبالغ بها للمستقبل القريب، وهو ما ميز خطاب معظم المسؤولين في الفترات السابقة. وقد انعكس ذلك إحباطًا واسعًا في الشارع السوري خلال الأشهر الأخيرة، جراء عدم استشعار أي تحسن معيشي يتناسب مع الوعود والتوقعات المرتفعة.
تفاقمت حالة فقدان الثقة هذه مع تعقيدات الحصول على الغاز المنزلي، التي بدأت واستمرت قبل اندلاع الحرب في المنطقة. وكانت تصريحات المسؤولين تقلل من حجمها وتعد بانفراجة حاسمة، لكن ذلك لم يتحقق على أرض الواقع. لذا، دفعت التوقعات المتشائمة حيال تداعيات الحرب الناس إلى سلوك احترازي، لم يتجاوب مع تطمينات الجهات المعنية بتوفر وسلاسة توريدات المشتقات النفطية.
في الوقت نفسه، كشفت التعقيدات المرتبطة بتوفر الغاز المنزلي خلال الفترة السابقة عن غياب رؤية استباقية لدى الجهات المعنية لتوفير مخزون استراتيجي من المشتقات النفطية لتجنب أي طارئ. وقد أدت سوء الأحوال الجوية سابقًا إلى اختناق في سلسلة توريد الغاز المنزلي للأسواق، وهو ما حدث أيضًا في قضية توريد الغاز القادم من مصر لتوليد الكهرباء، مما تسبب بتراجع مفاجئ في ساعات التغطية الكهربائية.
إن عدم وجود مخزون استراتيجي لمواجهة الأزمات الطارئة قضية معقدة، قد لا تتعلق بالضرورة بضعف الإدارة وانخفاض كفاءة القائمين على قطاع توفير وتوزيع المحروقات فقط، بل تتعدى ذلك إلى واقع القدرة المالية المتواضعة لدى الجهات المعنية. فمن المرجح أنها تواجه صعوبات كبيرة في إيجاد حلول تجمع بين نقيضين في معادلة واحدة: شح الأموال المتاحة مقابل تغطية حاجات السوق وفق منطق الوفرة لا الشح. وقد يزداد تعقيد هذه المعادلة في الأيام القليلة القادمة إذا استمرت الحرب الإقليمية الدائرة حاليًا، وتفاقم تأثيرها السلبي على سلاسل توريد موارد الطاقة، مما سيرفع من مستويات التكاليف والصعوبات اللوجستية المتعلقة بتوفير المشتقات النفطية.
كيفية التعامل مع هذا التحدي
أبرز المداخل للتعامل مع هذا التحدي هو تحقيق شفافية كبيرة من جانب الجهات المعنية، ففقدان الثقة بينها وبين الجمهور يفاقم التعقيدات. يجب مصارحة السوريين بالوقائع والحقائق والأرقام، وتوعيتهم بالكيفية الأمثل للتعامل مع الحالة الراهنة. كذلك، يجب التحرك سريعًا لضبط عملية الطلب وإدارتها وفق مبدأ الشح لا الوفرة، إذ لا يجب أن يحصل رب الأسرة على أكثر من حاجة أسرته من المحروقات. يمكن ضبط ذلك، بشكل إسعافي الآن، عبر تحديد الكميات المتاحة لرب كل أسرة بواسطة دفتر العائلة، مرفقًا بالبطاقة الشخصية. ويجب تكليف عناصر من الأمن العام مرفقين بعناصر من التجارة الداخلية بتغطية منافذ بيع المحروقات، والتأكد من عدم وجود حالات احتكار أو تخبئة للمواد، أو متاجرة بها. يمكن أن تكون هذه الإجراءات الإسعافية مؤقتة، إلى حين توفر سيولة كافية وظروف لوجستية ملائمة لتوفير مخزون استراتيجي من المشتقات النفطية، يمكن معه العودة إلى منطق ترك الطلب بأريحية. ولكن على الأقل، يجب بناء رؤية استراتيجية استباقية لكيفية توفير الحد الأدنى المطلوب من حاجة السوريين من المشتقات النفطية في الظروف الطارئة والاستثنائية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة