ترامب وتناقضات الصراع الإيراني: بين وعود السلام وغموض الأهداف في حرب مفتوحة


هذا الخبر بعنوان "ترامب بين وعود السلام وواقع الحرب: أهداف ضبابية ومغامرة مفتوحة في إيران" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه في موقف متناقض، فبعد أن قدم نفسه مراراً على أنه "رئيس السلام" وتعهد بإنهاء الحروب، يواجه لقبه اختباراً صعباً مع انخراطه في صراع واسع النطاق مع إيران. يثير الغموض الذي يكتنف الأهداف السياسية والتصريحات المتضاربة حول مسار هذه الحرب تساؤلات عميقة بشأن نتائج الصراع وقدرته على تحقيق استقرار استراتيجي دائم في المنطقة.
عقب الهجوم على إيران، تجلى تفوق عسكري أميركي واضح تمثل في السيطرة الجوية وتدمير الدفاعات الإيرانية، محققاً بذلك إنجازاً تكتيكياً سريعاً لواشنطن. خلال الساعات الأولى من الهجوم، تم اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ونحو 50 من كبار القادة الإيرانيين في عملية واحدة، واستهدف الهجوم أكثر من 1000 هدف خلال الـ 24 ساعة الأولى. ومع ذلك، لا يكفي التفوق العسكري وحده لتحقيق نتائج سياسية مستدامة، ومن المرجح أن يظل القادة الجدد في إيران ملتزمين بإيديولوجية الثورة والعداء تجاه الغرب.
في المقابل، يبرز ارتباك واضح في تحديد الولايات المتحدة لأهدافها من هذه الحرب، وهو ما قد يؤثر مباشرة على طبيعة التزام الجيش الأميركي ومدته، خاصة مع التغير المتكرر في الأهداف المعلنة. منذ البداية، لم تكن أولويات ترامب محددة بوضوح، حيث طُرحت أهداف متعددة ومتباينة في فترات زمنية متقاربة. ففي يوم الأحد وحده، أعلن ترامب وحلفاؤه عن هدفين منفصلين على الأقل للهجوم على إيران، مما زاد من الغموض حول النوايا الأميركية ومستقبل إنهاء الصراع الذي امتد ليشمل أنحاء الشرق الأوسط وأسفر عن سقوط قتلى من الجنود الأميركيين.
في صباح الأحد، صرح السناتور ليندسي غراهام بأن الهدف يقتصر على الحد من التهديد النووي والصاروخي الإيراني، وليس تغيير النظام، وهو ما أكده البيت الأبيض. إلا أن ترامب عاد لاحقاً وحث الإيرانيين على "استعادة بلدهم" من النظام. وبعد أن أبدى في مقابلة مع مجلة "أتلانتيك" انفتاحه على المحادثات مع القيادة الإيرانية الحالية بشرط تلبية مطالب الولايات المتحدة، أعلن يوم الثلاثاء، في إشارة للإيرانيين، أن "الوقت قد تأخر" للتحدث.
كما شهد الإطار الزمني للعمل العسكري تغيراً. ففي يوم السبت، نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي أن الهجوم سيستمر لأسبوع أو أكثر، بينما صرح ترامب لصحيفة "ديلي ميل" بعد يوم واحد بأن القتال "كان دائماً عملية تستغرق أربعة أسابيع". ورغم رفض ترامب الإفصاح عن هوية من قد يتولى السلطة في إيران، فقد أشار إلى أن "لدينا فكرة جيدة جداً". ومع ذلك، تسود الفوضى البلاد بعد مقتل خامنئي، الذي يُعد لحظة فارقة في تاريخ إيران، لكن المشاهد المتضاربة بين الحزن والفرح تعكس حالة عميقة من عدم اليقين بشأن المستقبل. وقد قدرت المخابرات الأميركية أن وفاة خامنئي قد تمهد لتولي المتشددين من الحرس الثوري الإيراني السلطة، مما دفع بعض المحللين للقول إن هذه السياسة تبدو مربكة نظراً لتصرفات البيت الأبيض الارتجالية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى اتساع نطاق الصراع، حيث حذرت واشنطن من تصعيد الحملة العسكرية. وأعلن الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، أن الجيش الأميركي يعزز قواته في الشرق الأوسط بإرسال المزيد من الجنود والطائرات المقاتلة. وعلى الرغم من تأكيد الجنرال كين على حملة عسكرية مطولة، أصر وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي كان بجانبه في مؤتمر صحافي بالبنتاغون، على أن الصراع لن يتحول إلى إحدى الصراعات الطويلة التي طبعت مغامرات الولايات المتحدة السابقة في المنطقة.
باندفاعه في صراع الشرق الأوسط، يخاطر ترامب بمستقبله الرئاسي. فقد وعد الناخبين الأميركيين مراراً بإنهاء الحروب بدلاً من إقحام بلاده في صراعات جديدة، وصرح في خطاب تنصيبه بأن "إرثه الذي يفخر به أكثر هو إرث صانع السلام". وبعد أن استنزفت التدخلات في الشرق الأوسط أجيالاً من الرؤساء الأميركيين، يقوم ترامب الآن بتنسيق جهود عسكرية سريعة التوسع في المنطقة، مما يشكل تناقضاً صادماً لرجل كان صعوده السياسي مدفوعاً جزئياً بإرهاق أميركا من التدخلات العسكرية واسعة النطاق. لسنوات، استنكر ترامب "حروب واشنطن الأبدية" وحذر من الإطاحة بالأنظمة الأجنبية بالقوة، وهي رسالة شكلت جوهر حركة "أميركا أولاً" التي قادته للفوز بالرئاسة مرتين.
لكن قرار ترامب بشن عملية "الغضب الملحمي" كان مدفوعاً بالإحباط من فشل إيران في التوصل إلى اتفاق لتقييد برنامجها النووي بعد جولات تفاوضية متعددة. كما تشكلت قناعة جديدة لدى الرئيس وكبار مستشاريه، بعد عملية فنزويلا، بأن تغيير النظام لا يعني بالضرورة تكرار ما حدث في العراق، وفقاً لـ "وول ستريت جورنال". وتأثر القرار أيضاً برغبة ترامب في تحقيق إنجاز لم يحققه أي رئيس أميركي في إيران منذ ما يقرب من 50 عاماً. على مدى عدة أشهر، أبلغ حلفاء ترامب، من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى المشرعين الجمهوريين، بأن الحكومة الإيرانية هي الأضعف تاريخياً، وحثوه على اغتنام فرصة فريدة لإسقاط النظام. وبعد تحرره من قيود حملة إعادة الانتخاب واكتسابه خبرة أكبر في استخدام القوة العسكرية، أصبح ترامب أكثر استعداداً لنشر القوة في ولايته الثانية، معتمداً على دعم قاعدته الشعبية طالما تجنب إرسال قوات أميركية إلى حرب برية.
في الختام، يظل السؤال معلقاً: هل سيؤدي التفوق العسكري إلى سلام دائم أم سيفتح أبواب مواجهة أطول؟ بين وعود إنهاء الحروب وواقع توسيعها، يقف ترامب أمام اختبار تاريخي لإرثه. فالسياسة المرتبكة قد تبدد المكاسب التكتيكية، وتترك المنطقة والعالم أمام مرحلة تتسم بمزيد من الغموض والاضطراب وعدم اليقين الاستراتيجي طويل الأمد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة