سوريا في مرمى التداعيات الاقتصادية: كيف تؤثر الحرب المحتملة ضد إيران على هشاشة الاقتصاد السوري؟


هذا الخبر بعنوان "على المدى القصير.. ما التداعيات الاقتصادية المحتملة للحرب ضد إيران بالنسبة لسوريا؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يحتاج الاقتصاد السوري، كما يوضح الكاتب عبد العظيم المغربل، إلى صدمة كبيرة ليختل توازنه، فالمشكلة لا تكمن فقط في حجم الأزمات المتراكمة، بل في هشاشة القاعدة التي يستند إليها أصلاً. لذلك، فإن التصعيد العسكري الأخير بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يُقرأ كعامل اقتصادي مباشر يمكن أن ينتقل سريعاً إلى السوق المحلية عبر قطاعات حيوية كـ الطاقة، والنقل، وسعر الصرف، والاستيراد، بالإضافة إلى تأثيره على سلوك التجار والمستهلكين.
في الاقتصادات الأكثر تماسكاً، قد تستغرق الصدمات الخارجية وقتاً قبل أن تنعكس على الداخل، لكن في سوريا، تميل هذه الصدمات إلى الظهور بسرعة أكبر. يعود ذلك إلى ارتفاع الاعتماد على الاستيراد، ومحدودية هوامش الأمان المالية، وضعف القدرة على امتصاص الارتفاع المفاجئ في التكاليف. لذا، يمكن قياس أثر أي حرب إقليمية بمدى تأثر سوريا فوراً، لكونها على اتصال مباشر بسلاسل الطاقة والتجارة والتمويل.
عادةً ما يكون ملف الطاقة هو أول ما يتأثر في أي مواجهة إقليمية واسعة، فالنفط والغاز لا يتحركان فقط وفق العرض والطلب، بل أيضاً وفق تقديرات المخاطر. وبالنسبة لسوريا، يعد هذا العامل أكثر حساسية، فالكهرباء والوقود ليسا قطاعاً عادياً يمكنه استيعاب تقلبات السوق بسهولة، بل يمثلان نقطة اختناق يومية تمسّ النقل والإنتاج والتدفئة والزراعة والخدمات.
وقد تجلت هذه الحساسية بالفعل مع إعلان وزارة الطاقة السورية، في 2 آذار 2026، عن خفض ساعات التغذية الكهربائية نتيجة تراجع واردات الغاز الطبيعي من الأردن. وجاء هذا التطور بعد أسابيع فقط من توقيع اتفاق توريد الغاز بين سوريا والأردن في 26 كانون الثاني 2026 لدعم الشبكة الكهربائية السورية، مما يعني أن أي اضطراب في هذا المسار ينعكس سريعاً على التغذية الكهربائية.
لا يقتصر أثر الحرب هنا على نقص الكهرباء بحد ذاته، فتراجع التغذية يدفع الأسر والمنشآت إلى بدائل أعلى كلفة، مثل المولدات والوقود التجاري، ويزيد كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي. ومع أي ارتفاع موازٍ في أسعار النفط أو رسوم النقل، يتضاعف الضغط من خلال كلفة أعلى للطاقة وتخديم أقل، مما يخلق بيئة تدفع الأسعار إلى الصعود حتى قبل ظهور نقص فعلي في السلع.
حين ترتفع كلفة الطاقة، ينتقل الأثر إلى الاقتصاد كله؛ قطاع النقل يصبح أغلى، والتبريد والتخزين أغلى، وتشغيل الورش والمصانع أغلى، وتوزيع السلع بين المحافظات أكثر كلفة. وهذا ما يجعل الحرب الإقليمية في الحالة السورية مولداً سريعاً للتضخم، ليس لأن كل السلع ستنقطع فوراً، بل لأن السوق سيعيد تسعير المخاطر قبل أن يعيد تسعير الكلفة الحقيقية. فالتاجر الذي يتوقع ارتفاع أجور الشحن، أو تأخر الشحنة، أو صعوبة تأمين الدولار، سيميل إلى رفع السعر مبكراً لحماية هامشه، والمستهلك الذي يتوقع موجة غلاء جديدة قد يندفع إلى الشراء المبكر، مما يضيف ضغطاً إضافياً على السوق. وفي مثل هذا السياق، يتحول التضخم إلى موجة أوسع تمتد إلى الغذاء والدواء والمواد الأساسية، وتضغط أكثر على القدرة الشرائية، خاصة مع محدودية الدخل وتآكل الأجور. وهكذا تتحول الحرب الخارجية، حتى إن بقيت خارج الحدود السورية، إلى ضغط معيشي داخلي محسوس في تفاصيل الحياة اليومية.
تنعكس الصدمات الإقليمية في سوريا بسرعة على سوق القطع، لأن سعر الصرف لا يتحرك فقط وفق المؤشرات الاقتصادية الصلبة، إنما أيضاً وفق مستوى الثقة والقلق والتوقعات. وفي أوقات التوتر، يرتفع الميل إلى الاحتفاظ بالدولار بوصفه ملاذاً أكثر أماناً، خصوصاً عندما تتزايد التوقعات بارتفاع فاتورة الاستيراد أو تعثر الإمدادات أو اضطراب التحويلات.
وتشير مؤشرات السوق المتداولة في مطلع آذار 2026 إلى تداولات قرب مستوى 11,760–11,800 ليرة للدولار في السوق الموازية، وهي مستويات تعكس أصلاً هشاشة سعر الصرف حتى قبل تبلور كامل آثار التصعيد. وعندما يُضاف إلى ذلك ارتفاع كلف الطاقة والشحن، يصبح الضغط على الليرة أقوى، لأن كل ضعف جديد في سعرها يرفع بدوره كلفة السلع المستوردة ويغذي التضخم مرة أخرى. لهذا، فإن الخطر في المدى القصير لا يكمن فقط في انخفاض جديد محتمل في قيمة الليرة، إنما في الحلقة المتكررة التي تربط بين القلق، وارتفاع الطلب على الدولار، وارتفاع الأسعار، ثم تراجع إضافي في الثقة. وهذه الحلقة من أكثر ما يرهق الاقتصاد السوري، لأنها تنقل الصدمة من حدث إقليمي إلى سلوك يومي داخل الأسواق.
إذا كانت الطاقة هي القناة الأسرع للتأثر، فإن التجارة هي القناة الأوسع. فحتى لو لم تتوقف السلع مباشرة، فإن اضطراب الملاحة وارتفاع مخاطر الشحن يرفعان الكلفة، ويطيلان زمن الوصول، ويزيدان عدم اليقين بالنسبة للمستوردين. وسوريا، التي تعتمد على الاستيراد في جزء مهم من احتياجاتها، تتأثر هنا بأسعار السلع نفسها وبتكلفة إيصالها.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن هذا الخطر لم يعد افتراضياً؛ إذ أفادت وكالة رويترز في 2 آذار 2026 بأن نحو 10 بالمئة من أسطول الحاويات العالمي كان عالقاً قرب مضيق هرمز بعد اضطرابات مرتبطة بالتصعيد، مع توقف حجوزات شحن إلى الشرق الأوسط وازدحام متزايد في الموانئ. فيما أشارت تقارير أخرى إلى تعليق أو تحويل مسارات سفن حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر المسارات المعتادة. وهذه التغيرات تعني كلفة شحن أعلى، وتأميناً أعلى، وتخطيطاً أكثر صعوبة للمستوردين.
وبالنسبة للسوق السورية، فإن ذلك ينعكس على مستويين: الأول في أسعار السلع المستوردة الجاهزة، والثاني في كلفة المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج الداخلة في الصناعة المحلية. وبذلك، حتى القطاعات التي تبدو محلية في ظاهرها قد تتأثر، لأنها تعتمد جزئياً على مدخلات أو قطع أو مواد قادمة من الخارج. ويُضاف إلى ذلك أن النقل البري مع الجوار، وخصوصاً عبر الأردن، كان أصلاً يمرّ بحساسية لوجستية وتنظيمية، وقد طالبت غرفة تجارة دمشق، عبر بيان، بإجراءات استثنائية بالفعل، مما يعني أن أي ضغط جديد على هذا المسار يزيد هشاشة حركة البضائع.
لا تبدو الرحلات الجوية في الظاهر بنداً اقتصادياً يومياً مثل الوقود أو الخبز، لكنها في الواقع جزء من دورة أوسع تشمل السفر، والشحن الجوي، وحركة رجال الأعمال، والمرضى، والتحويلات المرتبطة بالتنقل، وحتى ثقة السوق نفسها. لذلك، فإن اضطراب الطيران يترك أثراً اقتصادياً غير مباشر، لكنه ملموس.
وقد أُعلن خلال الأيام الماضية عن تعليق رحلات الخطوط الجوية السورية حتى إشعار آخر، بالتوازي مع موجة أوسع من إلغاءات وتعليق رحلات في المنطقة، بما شمل شركات إقليمية ودولية ومسارات جوية متعددة. وهذا لا يعني فقط تعطيل السفر، إنما يضيف عنصراً جديداً من عدم اليقين، ويزيد كلفة التنقل، ويعقّد حركة الأفراد والبضائع التي تعتمد على المسار الجوي في بعض الحالات. وفي اقتصاد متأثر أصلاً بضعف الربط المنتظم مع الخارج، يصبح أي تراجع إضافي في الاتصال الجوي عامل ضغط نفسي واقتصادي في آن واحد، لأنه يوسّع الإحساس بأن البلاد تعمل تحت كلفة أعلى، ومسارات أضيق، وهوامش حركة أقل.
لا يقوم الاقتصاد السوري على الإنتاج المحلي فقط، بل يعتمد بدرجة مهمة على التحويلات المالية من الخارج، وعلى تدفقات دعم ومساعدات متفاوتة الأشكال. في المدى القصير، قد لا تتوقف هذه التدفقات فوراً بسبب الحرب، لكنها قد تتأثر بفعل القلق، أو ارتفاع كلفة التحويل، أو إعادة ترتيب الأولويات المالية للأسر المقيمة في الخارج، أو انشغال الدول والجهات المانحة بملفات أمنية وعسكرية أكثر إلحاحاً.
ومن هنا، فإن أثر الحرب على هذا الجانب قد يكون أبطأ من أثرها على الوقود أو الشحن، لكنه يظل مهماً، لأن التحويلات بالنسبة لكثير من الأسر السورية جزء من التوازن المعيشي الأساسي. وأي تباطؤ فيها، حتى لو كان محدوداً، يعني ضعفاً إضافياً في القدرة على تحمّل الغلاء، وتراجعاً في قدرة السوق على امتصاص موجات الأسعار الجديدة.
بشكل عام، لا يُرجَّح أن يظهر أثر الحرب الإيرانية – الأميركية الإسرائيلية على الاقتصاد السوري في المدى القصير عبر انهيار مفاجئ أو تغيّر واحد منفصل، بل عبر سلسلة ضغوط متزامنة تبدأ بطاقة أقل استقراراً، وكلفة أعلى للوقود، وموجة تضخمية جديدة، وضغط متزايد على سعر الصرف، وشحن أبطأ وأغلى، وحركة جوية أكثر اضطراباً. الخطر هنا ليس في كل عامل بمفرده، إنما في اجتماعها داخل اقتصاد محدود المناعة؛ فعندما تتراكم صدمة الطاقة مع صدمة النقل مع صدمة التوقعات، يصبح السوق أكثر قابلية لرفع الأسعار، وتصبح الليرة أكثر حساسية للقلق، وتصبح معيشة الأسر أكثر هشاشة في فترة قصيرة. لذلك، فإن الحرب، إذا استمرت أو اتسع أثرها الإقليمي، قد لا تحتاج إلى وقت طويل كي تُنتج أثراً سلبياً واضحاً داخل سوريا، لأن الاقتصاد السوري لا يواجه فقط أزمة طارئة، إنما يستقبلها من داخل بنية ضعيفة القدرة على امتصاص الصدمات.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد