مضيق هرمز: تهديد خفي يهدد كابلات الإنترنت العالمية وشريان الاقتصاد الرقمي


هذا الخبر بعنوان "أزمة مستترة في “هرمز”: كابلات الإنترنت البحرية في خطر!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعتبر منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز من أكثر المناطق الجيوسياسية حساسية على مستوى العالم. لا يقتصر ذلك على تدفقات الطاقة التقليدية فحسب، بل يمتد ليشمل كونها أحد أهم ممرات الألياف الضوئية التي تربط الاقتصادات الرقمية الكبرى في آسيا وأوروبا وأميركا. وبينما يتركز الاهتمام العالمي حالياً على ناقلات النفط وأمن الملاحة، يكمن تهديد مستتر في قاع البحر، حيث تمر كابلات اتصالات لا يتجاوز سمكها خرطوم الحديقة، لكنها تحمل نحو 97% من حركة الإنترنت العالمية، وما يقارب 80% من الاتصالات العسكرية الاستراتيجية.
تُحول الطبيعة الجغرافية لمضيق هرمز منه إلى «نقطة اختناق» فريدة للكابلات البحرية. يبلغ عرضه في أضيق نقطة حوالي 33 كيلومتراً، وتتقاسم السيادة عليه كل من إيران وسلطنة عمان. هذا الضيق الجغرافي يجبر الكابلات البحرية التي تربط الشرق بالغرب على التمركز في ممرات ضيقة جداً، ما يجعلها عرضة لمخاطر مضاعفة في حالات الصراع المسلح. كما أن مياه الخليج العربي ضحلة نسبياً مقارنة بالمحيطات المفتوحة، حيث لا يتجاوز عمق المياه في أجزاء واسعة منها 100 متر. هذا العمق الضحل يزيد من هشاشة الكابلات البحرية؛ فبينما تكون الكابلات في المحيطات العميقة محمية بآلاف الأمتار من المياه، تظل الكابلات في الخليج ومضيق هرمز في متناول السفن التجارية، وشباك الصيد، والمراسي، فضلاً عن الأنشطة العسكرية التخريبية. ويزيد زرع إيران ألغاماً بحرية في مياه المضيق حتماً من احتمال الأضرار العرضية أو المتعمدة لهذه الكابلات.
تعكس تضاريس القاع في مضيق هرمز تعقيداً يضاعف من صعوبة حماية البنية التحتية الرقمية. تكون المياه أكثر عمقاً بالقرب من شبه جزيرة مسندم العمانية وتصبح أكثر ضحالة كلما اتجهنا شمالاً نحو السواحل الإيرانية. تتبع حركة الملاحة التجارية نظام تقسيم حركة المرور (TSS) الذي يقع معظمه في المياه العمانية، لكن السفن الكبيرة والناقلات العملاقة (VLCCs) يمكنها تقنياً الملاحة في معظم أجزاء المضيق. إن الاعتماد المتبادل بين أمن السطح (الناقلات) وأمن القاع (الكابلات) يخلق معضلة استراتيجية. ففي حالة الحرب، قد تلجأ إيران إلى استراتيجية «إنكار الوصول» (Anti-Access/Area Denial) ليس فقط للسفن، بل للبيانات أيضاً، مستغلة معرفتها الدقيقة بتضاريس القاع ومواقع الكابلات التي تمر قرب سواحلها.
تُعد منطقة الخليج معبراً حيوياً لعدة أنظمة كابلات دولية تربط مراكز البيانات في جنوب شرق آسيا والهند بالبنية التحتية السحابية في أوروبا والولايات المتحدة. وأي اضطراب في هذه الأنظمة يؤدي إلى زيادة زمن الانتقال (Latency) وفقدان البيانات، ما يؤثر على التداول المالي، والخدمات السحابية، والاتصالات الحكومية. من أهم أنظمة الكابلات الرقمية المارة عبر منطقة الخليج ومضيق هرمز:
هذه الكابلات ليست مجرد أسلاك، بل هي العمود الفقري لما يُسمى «الاقتصاد الرقمي الأزرق». وتعطل كابل واحد يمكن أن يؤدي إلى تحويل حركة البيانات إلى مسارات أطول عبر المحيط الهادئ أو حول أفريقيا، ما يرفع زمن الانتقال بمئات الملي ثانية، وهذا كارثي لأنظمة الذكاء الاصطناعي والتداول الخوارزمي التي تعتمد على الميكرو ثانية.
تمتلك إيران ترسانة بحرية متخصصة في العمليات غير المتماثلة في المياه الضحلة، طُورت خصيصاً لمواجهة التفوق البحري الغربي التقليدي. وفي سياق الخطر على الكابلات، تبرز هذه القدرات تهديداً مباشراً يمكنه تنفيذ عمليات تخريبية بدقة عالية مع الحفاظ على قدر من الإنكار الاستراتيجي. تُعد الغواصات «غدير» الإيرانية العمود الفقري للعمليات تحت السطحية في الخليج، وهي صغيرة ومصممة للعمل في المياه الضحلة جداً حيث يصعب على الغواصات الكبيرة والمدمرات اكتشافها. تتميز بقدرتها على «الاستلقاء» في قاع البحر واستخدام أنظمة السونار السلبية لمراقبة الأهداف، ما يجعلها منصة مثالية لنشر الغواصين أو العبوات الناسفة قرب الكابلات. كما طورت إيران مركبات مسيرة تحت الماء (UUVs) قادرة على الغوص 200 متر والبقاء في حالة ترصد 24 ساعة. ويمكن برمجتها للبحث عن توقيعات مغناطيسية أو صوتية للكابلات البحرية وقطعها أو زرع أجهزة تنصت عليها. وبما أن إيران انتقلت من الدفاع إلى «توسيع مسرح العمليات»، فهذا يعني أنها لن تتردد في استهداف البنية التحتية الرقمية والكهربائية المغمورة، كجزء من استراتيجية «الحرب الشاملة» التي تهدف إلى شل قدرات دول الخليج الاقتصادية والتواصلية.
تدرك القوى العالمية والشركات الكبرى أن الاعتماد المفرط على مضيق هرمز والبحر الأحمر يمثل خطراً استراتيجياً. وقد أدى ذلك إلى ظهور جيل جديد من مشاريع الكابلات التي تسعى إلى «تجاوز» نقاط الاختناق التقليدية عبر مسارات برية وبحرية مبتكرة.
يُعد نظام كابلات «بلو-رامان» من غوغل أحد أكثر المشاريع طموحاً لتغيير خارطة الإنترنت العالمية. ينقسم إلى كابل «بلو» الذي يربط إيطاليا وفرنسا بإسرائيل، وكابل «رامان» الذي يربط إسرائيل بالأردن والسعودية وعمان وصولاً إلى الهند. يوفر هذا المسار أول ربط مباشر يربط أوروبا بالهند من دون المرور بقناة السويس أو مضيق هرمز، وهذا يقلل من تعرض البيانات للاضطرابات في تلك المناطق. ويمثل كابل ممر IMEC الركيزة الرقمية لممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي، الذي يهدف إلى دمج شبكات السكك الحديدية مع كابلات الألياف الضوئية لإنشاء «طريق حرير عصري» محصن ضد الأزمات التقليدية.
برز «الممر الأوسط» (Middle Corridor) بديلاً رقمياً يربط الصين بأوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وتركيا. يتضمن مشروع Digital Silk Way إنشاء خط ألياف ضوئية عابر لبحر قزوين بسعة تصل إلى 400 تيرابت في الثانية. يوفر هذا المسار زمن انتقال أقل مقارنة بالمسارات البحرية الطويلة، ويتجنب العقوبات المفروضة على المسارات الروسية الشمالية، ويبتعد عن مناطق النزاع النشط في الشرق الأوسط.
لا يقتصر تأثير الحرب في إيران على التدمير المادي للكابلات، بل يمتد إلى «الحرب السيبرانية» التي تستهدف تدفق البيانات عبر هذه الكابلات. تمثل محطات هبوط الكابلات (Landing Stations) نقاط ضعف استراتيجية حيث يمكن للجهات الفاعلة التابعة للدولة اعتراض البيانات أو تعطيل الشبكات محلياً. رداً على هذه التهديدات، بدأت دول الخليج في تغيير نموذج استهلاكها للبيانات:
إن المستقبل الرقمي العالمي يمر بقاع الخليج العربي، وحماية هذا المستقبل تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز مفاهيم الحرب التقليدية لتشمل الدفاع عن «السيادة السيبرانية» في أعماق البحار. وأي تجاهل لهذا البعد في الصراع الجاري مع إيران سيكون قبولاً بانهيار النظام الرقمي العالمي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة