أزمة نقدية خانقة في الحسكة: رفض فئات الـ500 والـ1000 ليرة يربك التعاملات اليومية ويغيب الحل الرسمي


هذا الخبر بعنوان "الحسكة.. رفض فئات نقدية قديمة يربك التعاملات المالية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد مدينة الحسكة، الواقعة شمال شرقي سوريا، حالة من الفوضى والارتباك في تعاملاتها النقدية اليومية. تتفاقم هذه الأزمة مع تزايد ظاهرة رفض عدد من المحال التجارية والأطباء ومعتمدي الخبز والغاز قبول الفئات القديمة من العملة السورية، وتحديداً فئتي 500 و1000 ليرة. يأتي هذا الرفض على الرغم من أن هذه الفئات ما تزال متداولة رسمياً ويتم تسليمها للمواطنين عبر معتمدي الرواتب ومكاتب الصرافة.
يؤكد سكان المدينة أن هذه الظاهرة بدأت بالانتشار تدريجياً خلال الأسابيع الماضية، لكنها شهدت اتساعاً ملحوظاً مؤخراً لتشمل قطاعات خدمية حيوية ومتعددة. وقد أدى هذا الوضع إلى إرباك كبير في المعاملات اليومية للمواطنين، خصوصاً في ظل غياب قنوات مصرفية رسمية قادرة على تنظيم عملية تبديل العملة أو ضبط تداولها.
أعرب عدد من سكان الحسكة عن استيائهم من رفض بعض التجار للفئات النقدية المذكورة، ما يضعهم في مواقف حرجة عند محاولة تسديد التزاماتهم اليومية. وتزداد حدة المشكلة كون هذه الفئات ما تزال معتمدة رسمياً ولم يصدر أي قرار يمنع التعامل بها.
في هذا السياق، روى أحمد السالم، وهو موظف في إحدى المؤسسات الخدمية، تجربته قائلاً إن جزءاً من راتبه الأخير كان من فئتي 500 و1000 ليرة، وقد واجه صعوبة بالغة في استخدامها. وأوضح السالم لعنب بلدي أن بعض المحال التجارية رفضت قبول هذه الفئات، ما دفعه للبحث عن أفراد يقبلون استبدالها بفئات أخرى أو استخدامها في أماكن محددة تقبلها. وأكد أن الأمر لا يقتصر على مبالغ زهيدة، بل يشمل أحياناً جزءاً كبيراً من الدخل الشهري للموظفين، ما يزيد من تعقيد الوضع المعيشي.
بدورها، أشارت عليا محمد، وهي ربة منزل تقطن حي غويران في الحسكة، إلى أن رفض العملة القديمة يسبب توتراً كبيراً أثناء عمليات الشراء اليومية. وأضافت أن بعض الباعة يمتنعون عن استلام هذه الفئات مباشرة، بينما يقبلها آخرون بشروط معينة أو بعد نقاش وجدال، ما يجعل تجربة التسوق اليومية مرهقة. وتابعت أن المشكلة تتفاقم عند الحاجة لخدمات أساسية كشراء الخبز أو تعبئة الغاز المنزلي، حيث يرفض بعض المعتمدين التعامل بهذه الفئات نهائياً.
تجري هذه الممارسات في غياب أي قرار رسمي يمنع تداول الفئات النقدية القديمة، مما يزيد من الغموض حول أسباب انتشار هذه الظاهرة. فمكاتب الصرافة لا تزال تسلم المواطنين مبالغ نقدية تتضمن هذه الفئات، كما أن الموظفين يتلقون جزءاً من رواتبهم بها. هذا التناقض يخلق فجوة واضحة بين مصدر النقود وإمكانية استخدامها في الأسواق.
يعتقد بعض المواطنين أن التجار يحاولون تجنب أي خسارة محتملة أو صعوبة في تصريف هذه الفئات مستقبلاً، خاصة مع بدء عملية استبدال العملة السورية القديمة بعملة جديدة خلال الأشهر الماضية.
تتزامن هذه المشكلة مع استمرار إغلاق فرع مصرف سوريا المركزي وفروع المصارف الحكومية الأخرى في محافظة الحسكة منذ أواخر عام 2024. وقد أدى هذا الإغلاق إلى غياب تام للجهة الرسمية القادرة على تنظيم التداول النقدي أو توفير خدمات استبدال العملة بشكل منتظم.
يشير السكان إلى أن غياب المصارف جعل مكاتب الصرافة وبعض المعتمدين المصدر الرئيسي للنقد في المدينة، مما أسهم في ظهور اختلالات واضحة في حركة التداول. كما أن عدم وجود قنوات مصرفية رسمية يحد بشكل كبير من قدرة المواطنين على تبديل الفئات النقدية التي يجدون صعوبة في استخدامها داخل الأسواق.
يعتبر متابعون للشأن الاقتصادي أن ظاهرة رفض بعض الفئات النقدية ليست أمراً مستجداً في الاقتصادات التي تشهد مراحل استبدال أو تغيير نقدي، إلا أنها تزداد حدة في ظل غياب المؤسسات المالية المنظمة. وفي هذا الصدد، وصف سامر الحسن، المتابع للملف الاقتصادي في المنطقة، ما يحدث في الحسكة لعنب بلدي بأنه "فوضى نقدية مؤقتة" ناجمة عن تداخل عدة عوامل.
وأوضح الحسن أن أبرز هذه العوامل تشمل بدء عملية استبدال العملة السورية، واستمرار تداول الفئات القديمة خلال الفترة الانتقالية، بالإضافة إلى غياب المصارف الرسمية التي عادة ما تضطلع بدور ضبط هذه العمليات. وأضاف أن التجار يخشون الاحتفاظ بكميات كبيرة من الفئات القديمة في حال كانت عملية استبدالها لاحقاً صعبة أو تتطلب إجراءات معقدة، مما يدفعهم إلى تجنب التعامل بها.
وحذر الحسن من أن المشكلة قد تتفاقم إذا لم يتم توفير آلية واضحة وسريعة لتبديل العملة في الحسكة، الأمر الذي قد يدفع الأسواق إلى فرض قواعدها الخاصة بعيداً عن الإطار الرسمي. ومع ذلك، أكد أن الفئات القديمة تظل قانونية التداول طالما لم تنتهِ الفترة المحددة للاستبدال، مما يعني أن رفضها بشكل كامل يخلق خللاً في السوق.
في المقابل، يعلق العديد من سكان الحسكة آمالاً كبيرة على التفاهمات الأخيرة بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، معتقدين أنها قد تمهد الطريق لإعادة تشغيل المؤسسات الحكومية المتوقفة في المدينة. فإعادة فتح المصارف ومكاتب البريد بشكل كامل يمكن أن يسهم بشكل فعال في تنظيم عملية استبدال العملة وتخفيف حدة الارتباك في الأسواق.
من جانبه، صرح شاهر العلي، وهو أحد التجار في سوق المدينة، بأن عودة المصارف للعمل ستوفر للتجار والمواطنين مكاناً واضحاً لتصريف الفئات القديمة، مما سيقلل من المخاوف المرتبطة بالاحتفاظ بها. وأضاف أن المشكلة الراهنة لا تقتصر على العملة بحد ذاتها، بل تتجلى في غياب الجهة الرسمية القادرة على استلام هذه الفئات وإعادة ضخها في السوق بطريقة منظمة تتوافق مع الفئات الجديدة.
تجدر الإشارة إلى أن العملة السورية الجديدة دخلت حيز التداول مع بداية العام الحالي، في خطوة وصفتها الأوساط الاقتصادية والتجارية بأنها تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي وتسهيل التعاملات اليومية. وقد جاء إصدار العملة الجديدة بناءً على مرسوم رئاسي صدر في 24 من كانون الأول 2025، يقضي باستبدال العملة المتداولة.
بدأت عملية الاستبدال في الأول من كانون الثاني 2026، ومن المقرر أن تستمر لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، حيث تعادل كل 100 ليرة سورية من العملة القديمة ليرة سورية واحدة من العملة الجديدة. وكانت المؤسسة السورية للبريد قد أعلنت، في 11 من كانون الثاني، عن بدء تقديم خدمة استبدال العملة القديمة بعملة جديدة عبر المراكز البريدية المعتمدة في مختلف المحافظات. إلا أن هذه الخدمة لم تكن متاحة في الحسكة لفترة طويلة بسبب توقف فرع المؤسسة هناك منذ أواخر عام 2024، قبل أن يعاد فتحه خلال اليومين الماضيين.
يرى سامر الحسن، المتابع للواقع الاقتصادي في المنطقة، أن الحسكة تمر حالياً بمرحلة انتقالية في نظامها النقدي، تتداخل فيها العملة القديمة مع الجديدة ضمن بنية مالية غير مكتملة. ويؤكد الحسن أن وجود المصارف والمؤسسات المالية يلعب دوراً أساسياً في تنظيم التداول وضمان قبول جميع الفئات القانونية خلال فترة الاستبدال في مثل هذه الحالات.
وفي انتظار عودة هذه المؤسسات إلى العمل بشكل كامل، يظل سكان الحسكة مضطرين للتعامل مع واقع نقدي غير مستقر، حيث قد تقبل بعض المحال فئات معينة بينما ترفضها أخرى، مما يضيف عبئاً جديداً على حياتهم اليومية. ويأمل الكثير من الأهالي أن تنتهي هذه الحالة قريباً مع استكمال عملية استبدال العملة وإعادة تشغيل المؤسسات المالية، بما يعيد قدراً من الاستقرار إلى التعاملات النقدية في المدينة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد