الإثنين, 1 ديسمبر 2025 01:13 AM

الغوص في عالم "البخلاء" للجاحظ: مرآة الأدب الساخر والنقد الاجتماعي

الغوص في عالم "البخلاء" للجاحظ: مرآة الأدب الساخر والنقد الاجتماعي

يُعتبر كتاب "البخلاء" للجاحظ بمثابة موسوعة شاملة تجمع بين الأدب والعلم والاجتماع وعلم النفس والجغرافيا والتاريخ. إنه نموذج فريد للأدب الساخر والنقد الاجتماعي، حيث يضمّ بين دفتيه أسماءً عديدة لشخصيات شهيرة من ذلك العصر، بالإضافة إلى الأحاديث النبوية والقصائد الشعرية والنوادر والحكايات الطريفة التي تتناول صفة البخل وتجسدها من خلال شخصيات متنوعة، بعضها واقعي وبعضها الآخر من نسج الخيال. يركز الكتاب على البخل كطريقة تفكير وأسلوب حياة.

لقد ترك كتاب "البخلاء" أثراً بالغاً في الأدب العربي، وألهم العديد من الكتاب لتأليف أعمال مماثلة. كما ساهم في نشر الوعي بأهمية الكرم والجود، ونبذ صفة البخل. ويُعدّ مصدراً تاريخياً هاماً لفهم الحياة الاجتماعية في زمن الجاحظ.

يقدم الجاحظ في كتابه "بخلائه"، الذي ألفه في القرن الثالث الهجري، مادته الأدبية بأسلوب متميز يجمع بين السرد القصصي والفلسفة الاجتماعية بطريقة هزلية وساخرة، مما يجعله مادة قراءة ممتعة ومفيدة في آن واحد. فهو يقدم صورة فنية وواقعية للبخل نابضة بالحياة لمجتمع عصره، ويُظهر براعته في الكتابة والوصف.

وثّق "أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ" (155هـ – 255هـ)، في قصصه، الألفاظ العامية المتداولة في فترة كتابته، ليقدم من خلال الحوارات التي أوردها، ودون تجريح أو تحريض على الكراهية، بل في إطار فكاهي يدعو إلى التأمل، أدق التفاصيل عن نفوس البخلاء وحركاتهم ونزواتهم النفسية وخفايا منازلهم وأحاديثهم وأحوالهم وطبائعهم وسلوكهم وحيلهم الماكرة في سبيل توفير المال. كما يعرض طريقة اقتصادهم واستخدامهم للمال ومحاربتهم للإسراف وحججهم الفلسفية لتبرير بخلهم، خصوصاً في بلدة "مرو" عاصمة "خراسان".

وذلك من خلال حكايات طريفة ونوادر مُضحكة وشخصيات غريبة، بعضها من خياله مثل أبي الحارث جميز والهيثم بن مطهر، وشخصيات نموذجية أخرى للبخلاء مثل أبي نواس، وأبي جعفر الطرسوسي، وأبي الشمقمق. ولكل شخصية حكاياتها المضحكة ونوادرها المسلية، مثل قصة "طفل مرو البخيل" الذي تدرّب منذ صغره على رفض العطاء، وقصة "البخيل بالبخور" الذي يتحايل ليحافظ على رائحة الطيب أطول وقت ممكن، وقصة "ديكة مرو البخيلة" التي لا تكتفي بعدم إطعام إناثها بل تسلبها الحبّ من مناقيرها. هذه القصص لا تقتصر على السخرية بل تحمل في طياتها رسائل اجتماعية ونقداً للواقع بأسلوب غير مباشر.

يتناول الكتاب، الذي مزج فيه الجاحظ بين النثر والشعر، نصوصاً أدبية موجزة وشائعة في العصر الإسلامي، حيث ملامح الشعر والخطابة وما يرافق ذلك من سجع وبلاغة وتورية وحسن صياغة وفرادة في البيان والتصوير. ويتميز باحتوائه على العديد من أسماء الأعلام والمشاهير والمغمورين، وكذلك أسماء البلدان والأماكن وصفات أهلها والعديد من أبيات الشعر النادرة والمفيدة بموضوعها والأحاديث والآثار، من خلال توظيفه السخرية وموضوعاتها وفق بنيتها السردية من حيث الزمان والمكان والشخصيات، مستخدماً أجناساً أدبية متنوعة كالقصة والنادرة والرسالة بأسلوب امتاز بالسلاسة والطلاقة، مستخدماً فيه مختلف الأساليب البلاغية كالمقابلة والمماثلة والسخرية، ما جعله أهم الأعمال الأدبية العربية وأكثرها شهرة لاعتباره دراسة متكاملة تمتزج فيها علوم النفس والاقتصاد والاجتماع بالأدب والفكاهة.

ونورد من "بخلائه" قصة أهل خراسان والمصباح: يحكي الجاحظ أن جماعة من البخلاء في خراسان اجتمعوا ليسكنوا في بيت واحد، وقرروا أن يعيشوا حياة مقتصدة للغاية. وذات ليلة، جلسوا في الظلام طويلاً لأنهم لا يريدون إنفاق المال على إشعال مصباح. وبعد مناقشات طويلة، اتفقوا أخيراً على شراء مصباح واحد، شرط أن يساهم كل واحد منهم بجزء من ثمن الزيت. غير أن أحدهم رفض أن يدفع، وأصرّ على أن يستفيد من ضوء المصباح دون أن يشارك في التكاليف. فكانوا عندما يشعلون المصباح يربطون عينيه بقطعة قماش حتى لا يرى شيئًا من الضوء، ثم إذا عمّ الظلام وجاء وقت النوم أطفؤوا المصباح وفكّوا الرباط عن عينيه.

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الحرية

مشاركة المقال: