الأحد, 30 نوفمبر 2025 02:27 PM

ترقب في وول ستريت والأسواق: ماذا سيقرر الاحتياطي الفيدرالي في اجتماع ديسمبر؟

ترقب في وول ستريت والأسواق: ماذا سيقرر الاحتياطي الفيدرالي في اجتماع ديسمبر؟

مع اقتراب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في ديسمبر، تتجه الأسواق نحو واحدة من أكثر الفترات غموضًا منذ بداية دورة التشديد النقدي قبل عامين. الصورة الاقتصادية الحالية معقدة بسبب تشوهات البيانات، والقلق السياسي الناتج عن الإغلاق الحكومي، والانقسام المتزايد داخل لجنة السياسة النقدية، والجدل حول مستقبل قيادة الفيدرالي مع اقتراب نهاية ولاية جيروم باول في عام 2026.

الاجتماع الأخير في أكتوبر كان نقطة تحول في مسار السياسة النقدية. حيث قررت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، لتصل إلى 4.00% بعد أن كانت 4.25%، وهو ما توافق مع توقعات الأسواق، وكان الخفض الثاني هذا العام بعد خفض مماثل في سبتمبر.

ومع ذلك، لم ينجح خفض الفائدة في تهدئة الأسواق لفترة طويلة، حيث أكد باول في مؤتمره الصحفي أن هذه الخطوة لا تعني بداية دورة خفض مستمرة. وأشار إلى أن بعض الأعضاء يخشون استمرار التضخم المرتفع، مما يجعل الفيدرالي يعتمد بشكل أكبر على البيانات المستقبلية قبل اتخاذ أي قرار جديد. هذا التحفظ قلل من تأثير الخفض وأعاد الأسواق بسرعة إلى حالة التوتر السابقة.

ازداد التعقيد بسبب الاضطراب السياسي المرتبط بتهديدات الإغلاق الحكومي الأمريكي، الذي شوه جزءًا كبيرًا من البيانات الاقتصادية. تأخر صدور العديد من التقارير، وتراجعت دقة بعضها بسبب التوترات السياسية، بالإضافة إلى موجة الحذر التي أصابت الشركات والمستهلكين، مما جعل مؤشرات التوظيف والإنفاق والثقة أقل تعبيرًا عن الواقع وأكثر تأثرًا بالمخاوف.

في ظل هذه الظروف، برز الانقسام بين أعضاء الفيدرالي كمصدر قلق للأسواق، حيث تبدو اللجنة منقسمة بين قسم يرى أن التضخم فقد زخمه وأن دورة خفض الفائدة يجب أن تكتسب وتيرة أسرع لتجنب ركود محتمل، وقسم آخر يخشى أن يؤدي أي تسرع في التيسير إلى إشعال موجة تضخمية جديدة تقوض التقدم المحرز. هذا التباين في المواقف لم يعد مجرد اختلاف طبيعي في الآراء، بل تحول إلى عنصر ضاغط في حد ذاته، لأن الأسواق تتلقى رسائل متناقضة من داخل الفيدرالي، مما زاد من فوضى التسعير ورفع مستوى عدم اليقين قبل اجتماع ديسمبر.

يواجه الفيدرالي مشهدًا متناقضًا قبل اجتماع ديسمبر: فمن ناحية، تشير البيانات الأخيرة إلى تباطؤ تدريجي في التضخم وضعف واضح في النشاط الاقتصادي، مما يعزز الدعوات إلى خفض إضافي للفائدة بهدف منع التباطؤ من التحول إلى ركود. ومن ناحية أخرى، يشعر صناع القرار بالقلق من استمرار عناد التضخم الأساسي، خاصة في قطاع الخدمات، ويخشون أن يؤدي التسرع في التيسير إلى إرسال إشارات خاطئة للأسواق وإعادة تغذية الضغوط السعرية، خاصة وأن بعض المؤشرات قد تكون مشوهة بسبب آثار الإغلاق الحكومي، مما يجعل قراءة الوضع الاقتصادي أكثر صعوبة وتعقيدًا.

أمام هذا المشهد المعقد، يواجه الفيدرالي اليوم مسارين رئيسيين، لكل منهما تبعات مختلفة على الاقتصاد والأسواق. في السيناريو الأول، يتجه البنك إلى خفض جديد للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، إذا كانت بيانات التضخم والوظائف المستقبلية متوافقة مع اتجاه التباطؤ الحالي، وإذا رأت اللجنة أن الاقتصاد بحاجة إلى دفعة إضافية تمنع هشاشته من التحول إلى ضعف بنيوي. في هذه الحالة، سيحاول باول على الأرجح إرسال رسالة مزدوجة: دعم النمو من جهة، والتأكيد في الوقت نفسه على أن الخفض لا يعني بالضرورة الدخول في دورة تيسير طويلة ومفتوحة.

في السيناريو الثاني، يختار الفيدرالي الإبقاء على الفائدة دون تغيير، وهو خيار سيكون مطروحًا إذا شعر الأعضاء أن التراجع في التضخم لا يزال غير كافٍ، أو إذا بقيت مؤشرات سوق العمل أقوى مما يلزم لتحقيق توازن مريح للأسعار. سيتم تقديم هذا الخيار عندها على أنه خطوة وقائية تهدف إلى تثبيت مسار التضخم وليس إلى تشديد السياسة، مع ترك الباب مفتوحًا أمام تحركات لاحقة تعتمد على مسار البيانات.

هذه السيناريوهات تنعكس مباشرة على وول ستريت والذهب والدولار. إذا اتجه الفيدرالي إلى خفض جديد بمقدار 25 نقطة أساس مع نبرة حذرة لا تعد بدورة تيسير سريعة، فقد نشهد صعودًا محدودًا في الأسهم الأمريكية، يتبعه سريعًا جني أرباح مع عودة المخاوف بشأن النمو والتضخم. قد يتحرك الذهب صعودًا بشكل معتدل بدعم من تراجع العوائد الحقيقية، لكنه قد يفقد جزءًا من مكاسبه إذا استشعر المستثمرون أن الفيدرالي لا يزال مترددًا في توسيع سياسة الخفض. أما الدولار، فربما يتعرض لضغوط طفيفة، لكنه سيحافظ على الكثير من قوته مستندًا إلى تفوق عوائد الأصول الأمريكية مقارنة بنظرائها.

في حال تثبيت الفائدة، ستقرأ الأسواق هذه الخطوة على أنها ميل إلى التشدد النسبي، خاصة إذا شدد باول في خطابه على الحاجة إلى مزيد من الوقت والبيانات قبل التفكير في خفض جديد. هنا قد تتعرض الأسهم الأمريكية لضغوط إضافية، خاصة في القطاعات الحساسة لأسعار الفائدة مثل التكنولوجيا والعقارات، بينما يميل الذهب إلى التراجع مع ارتفاع العوائد الحقيقية وتزايد قناعة المستثمرين بأن السياسة التقييدية ستستمر مدة أطول. في المقابل، يحظى الدولار بدعم إضافي، وقد يواصل تحقيق مكاسب أمام العملات الرئيسية مع صعود توقعات بقاء العائد الأمريكي عند مستويات جذابة.

على المدى الأبعد، يزداد المشهد تعقيدًا مع اقتراب عام 2026 واحتمال تغيير رئيس الفيدرالي عند انتهاء ولاية جيروم باول. الأسماء المتداولة لخلافته، وعلى رأسها لايل برينارد ذي التوجه الأكثر ميلاً للتيسير، وجون ويليامز المعروف بخبرته العميقة في الاقتصاد الكلي، تعكس أن مسار السياسة النقدية نفسه قد يكون على أعتاب مرحلة إعادة تشكيل. هذا النقاش الذي بدأ مبكرًا يزيد بدوره من مستوى عدم اليقين في الأسواق.

مما لا شك فيه أن الفيدرالي يدخل هذا الاجتماع وسط صورة اقتصادية غير مكتملة، وسوق مالية شديدة الحساسية، وبيئة سياسية تزيد من الضباب بدلًا من تبديده. لذلك، من المرجح أن يكون اجتماع كانون الأول وتصريحات باول المصاحبة له من أكثر المحطات تأثيرًا في رسم ملامح السياسة النقدية خلال 2026 وما بعدها، في وقت أصبحت فيه كل إشارة، مهما بدت بسيطة، قادرة على تحريك الأسواق وتغيير توقعات المستثمرين حول مستقبل أكبر اقتصاد في العالم.

مشاركة المقال: