هذا الخبر بعنوان "العبور إلى سوريا" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مقال رأي بقلم نضال الخضري، تتجلى صورة الحرب في سوريا ببعد مختلف، إذ لا تُقاس بمدى الضيق الاقتصادي المعتاد أو بصدى الانفجارات واعتراض الصواريخ، بل تتجسد في تواصل أهلها مع معارفهم في بلدان كانت تنعم بالأمان. حتى الأمل الذي راود الكثيرين بالانتقال إلى منطقة الخليج أصبح محاطاً بالقيود ومصدراً لقلق متسارع الانتشار، ليغدو انعدام الأمان حالة ملازمة للسوريين.
إن الحرب، التي يُشار إليها أحياناً كصراع ضد إيران، لا تقتصر على الصور المتداولة عبر الشاشات أو الأخبار المختلقة على وسائل التواصل الاجتماعي. بل هي استحضار لتاريخ قديم جداً، يعيد إلى الذاكرة دروس الكتب المدرسية حول أفول الإمبراطوريات ونهوضها. غالباً ما نقرأ عن الحروب دون أن ندرك أن الزمن قد يضعنا في قلبها. وعندما نغوص في مرحلة اللايقين المصحوبة بدموية الصراعات، ندرك أن منطقتنا الجغرافية هي بؤرة خطر بامتياز.
مع اندلاع الحرب، برز شعور عميق بالهشاشة. فكل صراع إقليمي واسع النطاق يفتح الباب تلقائياً أمام احتمالات تزيد من القلق الذي يسيطر على الجميع. سوريا، وإن لم تكن مشاركة مباشرة في الحرب، فإنها تعيش حالة من "الشد العصبي" المصاحب لأزمة الطاقة وحصار المعيشة الذي يطارد كل فرد. في هذا السياق، يتغير تعريف الأمان ليصبح مرتبطاً بقدرة الفرد على التخطيط لحياته ضمن مدى زمني معقول.
السوريون، سواء من بقوا في الداخل أو من توزعوا في دول اللجوء، أعادوا خلال السنوات الماضية بناء شبكات حياتهم على افتراض هش بأن مرحلة الأسوأ قد ولّت. لكن الزمن نادراً ما يمنح هذا اليقين. فالحياة المبنية على توقعات مؤقتة تشبه البيوت الخفيفة التي تُشيد على أطراف الريح؛ قد تصمد لبعض الوقت، لكنها تظل تحت تهديد أول تغير مفاجئ. اليوم، يسود حذر مكتوم يجعلنا نسير على أرض قد تهتز في أي لحظة.
لم يعد العبور إلى سوريا مجرد انتقال جغرافي من مكان لآخر، بل تحول إلى حالة نفسية معقدة تتشابك فيها الذكريات مع التوقعات. يكتشف العائد أو الزائر سريعاً أن البلاد لم تعد تلك التي غادرها، ليس فقط بسبب التغيرات الظاهرة في الشوارع أو الأبنية، بل لأن الناس أنفسهم قد تبدلوا. يظهر قلق عميق في عيونهم لا تفصح عنه كلماتهم، مع نوع من الاقتصاد في الحديث، وكأن التجربة الطويلة قد علمتهم أن الصمت أحياناً أبلغ من الكلام.
تتعلم المدن أيضاً كيف تتنفس من جديد، وتستعيد رغبتها العميقة في استرجاع الإيقاع الطبيعي للأيام. وفي البيوت، تتشكل روايات جديدة عن الماضي القريب، حيث تمتلك كل عائلة نسختها الخاصة من الحكاية، بتفاصيلها الدقيقة التي لا تظهر في الأخبار ولا تُدون في التقارير اليومية. هكذا، تُصاغ سردية الحرب من جديد، لتشكل هالة من القدسية تحيط بالقلق الذي يلف الجميع.
في الختام، يظل العبور إلى سوريا تجربة تتجاوز حدود المكان، فهو اختراق لطبقات عميقة من الذاكرة الجماعية. هنا، تختلط الخسارات الصغيرة بلحظات الصمود اليومي، وفي هذه المساحة تحديداً، تتشكل فكرة جديدة عن الحياة؛ رؤية أقل يقيناً، لكنها أكثر واقعية، وأقرب إلى فهم جوهر الاستمرار في عالم دائم التغير.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة