الاستهداف الإيراني لدول الخليج: جذور الصراع وتداعيات قطع الجسور


هذا الخبر بعنوان "الاستهداف الإيراني لدول الخليج….لا جسور بعد اليوم" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن استهداف إيران لدول الخليج العربي بالصواريخ والمسيّرات، في سياق مواجهتها مع أميركا وإسرائيل، مفاجئاً، بل يمثل تتويجاً لحرب مؤجلة منذ أكثر من أربعين عاماً. يتذكر الإيرانيون جيداً حربهم مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، حيث ساندت دول الخليج العراق للتصدي للاندفاعة الإيرانية الرامية إلى اختراق النسيج الداخلي للدول الخليجية والعربية عموماً، تحت شعار "تصدير الثورة". هذا الشعار، الذي سارع قائد الثورة الإسلامية الإمام الخميني إلى تنفيذه، لم يكن مجرد دعوة لتغيير الحكم أو الإدارة، بل كان يخفي رغبة عميقة متجذرة في تاريخ طويل من الأيديولوجيا والصراع الذي ميّز علاقات الأقلية الشيعية مع السلطة في الدولة الإسلامية السنية.
تتسم العلاقات بين إيران ودول الخليج بتاريخ طويل من التقلبات بين التوتر والمهادنة، محكومة بإرث تاريخي من الصراع العربي/الفارسي. هذا الصراع، الذي كان مكتوماً في ظل الدولة الإسلامية الجامعة للعرب والفرس، اكتسب بعداً إضافياً بعد تشيّع إيران على يد الصفويين في القرن السادس عشر، وتحولها إلى دولة عقائدية تسعى للنفوذ والسيطرة ومقارعة الخلافة الإسلامية (السلطنة العثمانية السنية) التي بسطت نفوذها على معظم المشرق. لم يختلف الوضع كثيراً قبل تسلم رجال الدين المتشددين الحكم في إيران عام 1979، إثر الثورة على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حيث تحول الحكم من دكتاتورية علمانية إلى نظام "إلهي" يرتكز على مبدأ الولي الفقيه، نائب الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر في العقيدة الشيعية الاثني عشرية التي أرسى دعائمها الخميني.
سعت إيران، منذ عهد الشاه، إلى الاضطلاع بدور "شرطي الخليج"، حيث كان الشاه يعتبر البحرين محافظة إيرانية، ووصل الأمر إلى احتلال الجزر الثلاث التابعة لدولة الإمارات عام 1971. وقد شكل استقلال دول الخليج وصعودها الاقتصادي والعمراني بفضل تدفق النفط عاملاً جاذباً ومطمعاً لإيران الشاه. وتصاعد هذا التوجه حدة مع انتصار ثورة الخميني وتأسيس نظام مذهبي متشدد سارع إلى إعلان نظرية "تصدير الثورة". كان الهدف واضحاً: دول الخليج ذات الغالبية السنية والأقلية الشيعية، بالإضافة إلى العراق ولبنان.
لطالما نظرت إيران إلى نفسها كقوة إقليمية كبرى لها الحق في بسط نفوذها، وربما إدارتها للمنطقة. ورغم فترات الانفراج في العلاقات الخليجية الإيرانية خلال عهدي الرئيسين الإصلاحيين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، إلا أن التوتر لم يختفِ تماماً. عاد هذا التوتر بقوة مع تولي المحافظ محمود أحمدي نجاد الرئاسة، وإحكام المرشد علي خامنئي والحرس الثوري قبضتهم على مفاصل الدولة كافة، بما في ذلك القطاعات العسكرية والأمنية والاقتصادية والعلاقات الدولية. تجلى ذلك بوضوح بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، الذي فتح الباب أمام إيران لفرض هيمنة شبه كاملة على هذا البلد العربي الكبير سياسياً وعسكرياً وعقائدياً، وهي هيمنة لا تزال قائمة بشكل أو بآخر حتى اليوم.
تصاعد النفوذ الإيراني حول دول الخليج بشكل دراماتيكي بعد إحكام قبضتها على الساحة اللبنانية عبر "حزب الله"، وعلى الساحة السورية بدعم الرئيس السوري بشار الأسد في حرب مذهبية دمرت سوريا، ومحاولتها السيطرة على اليمن بتسليح ميليشيا الحوثي التي كادت تسيطر على كامل البلاد لولا تدخل تحالف عربي أوقف المشروع الحوثي/الإيراني، بالتزامن مع إحباط محاولة السيطرة على البحرين بتدخل خليجي سريع. هذه الوقائع، بالإضافة إلى تباهي مسؤولين إيرانيين كبار في مناسبات عدة بالسيطرة على أربع عواصم عربية (بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء)، فاقمت المخاوف الخليجية من السياسات الإيرانية، خاصة توجهها نحو التسلح بالصواريخ الثقيلة وسعيها لامتلاك السلاح النووي، مما أطلق سباق تسلح كلف دول الخليج تريليونات الدولارات.
رفعت إيران شعاراً ذا جاذبية عاطفية لدى العرب والمسلمين عموماً، وهو تحرير المسجد الأقصى في القدس، والذي يُعدّ، للمفارقة، مسجداً أموياً. وقد نجحت في مراحل عديدة في استمالة شرائح عربية مهمة، إلا أن تدخلاتها المعروفة أجهضت هذه الجهود لاحقاً.
تتجه إيران نحو قطع جميع الجسور مع دول الخليج، بما في ذلك قطر وعمان، على الرغم من محاولات وزير خارجيتها عباس عراقجي ترميم العلاقات عبر اتصالات تبريرية لم تلقَ قبولاً في هذه الدول. وتأتي هذه التطورات في سياق سوابق خطيرة، كالهجمات التي شنها الحوثيون على منشآت سعودية وإماراتية، والتهديدات العلنية التي أطلقها الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني بضرب المنشآت النفطية في دول الخليج إذا ما تعرضت إيران لهجوم من الولايات المتحدة.
تعتقد إيران أن قصفها لدول الخليج النفطية يمثل ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي والدول الكبرى لوقف أي حرب محتملة ضدها. ومع ذلك، فإن هذا لا يخفي رغبة عميقة في معاقبة دول الخليج على دعمها للعراق وتصديها للسياسات الإيرانية في المنطقة.
من غير المرجح أن تعود العلاقات الخليجية الإيرانية إلى سابق عهدها، الذي لم يكن مثالياً في الأساس، حيث انعدمت الثقة تماماً، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي. ففي ذروة الصراع السياسي، كانت دول الخليج، وخاصة عمان وقطر، وحتى الإمارات، تمثل متنفساً تجارياً لإيران المحاصرة. ولكن بعد انتهاء هذه الحرب، ستكون دول الخليج قد تغيرت.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة