سوريا في خضم الحرب الإقليمية: تحليل لموقفها من التدخل الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران


هذا الخبر بعنوان "مدخل سوري إلى الحرب الحالية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يأتي التدخل الإمبريالي الجديد، الأمريكي-الإسرائيلي، ضد إيران، في سياق تحولات إقليمية وعالمية كبرى. هذه الحرب تختلف جوهريًا عن أي من الصراعات الإمبريالية السابقة التي شهدتها المنطقة، حتى تلك التي بلغت ذروتها خلال التدخلات الأمريكية المتعددة ضد العراق. لا يكمن التجديد هذه المرة في اتساع نطاق المعركة لتشمل القواعد الأمريكية في الخليج، ولا في وتيرة التدمير المتضاعفة مقارنة بغزو العراق وأفغانستان، بل أساسًا في توقيت هذا التدخل الذي يحدث بينما تبدو دول الإقليم، التي كانت في طليعة المواجهة مع إسرائيل، وخاصة سوريا، وكأنها بمعزل عن أي رد فعل طبيعي.
إن الهدوء الذي يلف الساحة السورية، على عكس جبهات إيران والخليج ولبنان، يعزى إلى عدة عوامل. من أبرزها إخلاء القوات الأمريكية العاملة ضمن التحالف الدولي لقواعدها فور اندلاع الحرب، مما أخرج الجغرافيا السورية برمتها من دائرة الاستهداف الإيراني المباشر، واقتصر الأمر على اعتراضات إسرائيلية محدودة للصواريخ الإيرانية في الأجواء السورية، لا سيما فوق المنطقة الجنوبية. ومع ذلك، لا يفسر هذا العامل وحده الهدوء السائد، إذ يبدو هذا "الحياد" موقفًا سياسيًا بامتياز، أكثر منه مجرد نتيجة لوضع جيوسياسي خاص بتموضع القوات الأمريكية خارج البلاد.
في سياق هذه الحرب الكبرى، يبدو موقف النظام السوري مجرد تفصيل، حيث لم يعد الدور المنوط بسوريا مركزيًا في هذه المرحلة، سواء من حيث الاعتراض على القيادة الإسرائيلية للإقليم أو حتى الموالاة لها. يتضح من مجريات الحرب وموقع البلاد منها أنها أصبحت بمثابة مساحة عازلة لا أكثر. فالتموضعات الجيوسياسية الراهنة للحكم لا تسمح لسوريا بالتأثير في مجريات الأحداث. والمطلوب من النظام حاليًا هو عدم الانحياز لأي محور ضد آخر، ومحاولة إبقاء التعبيرات السياسية عن موقفه من الحرب، إن وجدت، عند مستوى منخفض جدًا، على غرار السقوف التي كانت تضعها دول الخليج إبان كل غزو أمريكي للعراق.
إن فهم "الأفق" الذي تقود إليه هذه الحرب الإمبريالية المدمرة يستلزم بالضرورة مقاربة مختلفة، لا تستند إلى الاصطفافات القديمة. فالتعامل مع الحرب من منظور تقزيم الدور السوري، بما في ذلك دور النخب، سيؤدي حتمًا إلى استنتاجات غير دقيقة، إن لم تكن خاطئة بالكامل. تتطلب رؤية "الأفق" لهذه الحرب المدمرة مقاربة جديدة لا تتأثر بالاصطفافات القديمة التي خلفتها الصراعات السابقة، والتي تكاد، لشدة محدوديتها، تحجب التطورات الدراماتيكية اللاحقة في الإقليم والعالم.
يتغير المشهد العام للحرب بسرعة، وهي سمة مميزة للحروب غير المتناظرة. فـ"الانهيار السريع" الذي تشهده القوة الأقل تسليحًا وتجهيزًا في الأيام الأولى، تحت وطأة التدمير الهائل لآلة الحرب الإمبريالية المزدوجة، سرعان ما يتعدل قليلًا. لكن هذا التعديل لا يصل بالضرورة إلى نقطة التوازن، أو الأهم من ذلك، إلى "الخروج من القاع".
لقد أحدث استهداف القواعد الأمريكية في الخليج بقوة نارية غير تدميرية، بالإضافة إلى استمرار استهداف الداخل الإسرائيلي بالصواريخ والمسيّرات، تعديلًا في المشهد. ومع ذلك، لكي تصل الأمور إلى نقطة تتغير فيها موازين القوى قليلًا، بما لا يخدم مصلحة التحالف الإمبريالي، لا بد من تدخل بري، بالمعنى الذي تدركه إسرائيل تمامًا.
إن حدوث تدخل بري، حتى لو كان محدودًا أو رمزيًا، ضد الذراع الضاربة للإمبريالية في هذه الحرب، سيفتح المجال للمساس بها بجدية. حينها، سيكون الثمن الذي ستدفعه مكملًا للجهد الذي يقوم به الاستهداف الصاروخي والمسيّر. فالحرب الصاروخية ليست الأساس في هذا النوع من الصراعات، وقدرتها على رفع تكلفة الحرب على المعسكر الإمبريالي غير مضمونة دون الدور المركزي الذي تلعبه قوة الإسناد والاشتباك البري.
في جميع الحروب الأمريكية السابقة، لا سيما في العراق وأفغانستان، وقبلهما في فييتنام، كانت هناك لحظة ذروة في الزخم التدميري للإمبريالية، وبعدها يبدأ المنحنى البياني بالجمود. وعندما تضيق نافذة الفرص السريعة التي فُتحت على مصراعيها عبر الاغتيالات الخاطفة للزعماء السياسيين والقادة العسكريين، يصبح بالإمكان، ليس تعديل موازين القوى نظرًا للاختلال المستمر والمزمن في هذه الحروب غير المتكافئة، بل جعل الثمن الذي تدفعه الإمبريالية مقابل تدخلها، خاصة عند التورط في المستنقع البري، أفدح بكثير مما كانت تتصور.
بقلم: كاتب سوري
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة