عام على أحداث الساحل: محاكمات علنية بلا نتائج معلنة تثير تساؤلات حول العدالة


هذا الخبر بعنوان "عام على أحداث الساحل.. مسار قضائي بلا نتائج معلَنة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مر عام كامل على أحداث الساحل التي وقعت في السادس من آذار عام 2025، ولا تزال التساؤلات تتصاعد حول المسار القضائي المعلن والبحث عن العدالة الذي لم يكتمل بعد. خلال هذا العام، شهدت القضية ظهور المحاكمات إلى العلن، حيث بُثت جلسات مباشرة، ووقف متهمون أمام القاضي، مع وعود بكسر دائرة الإفلات من العقاب. لكن بعد انقضاء وهج الكاميرات، ساد الصمت، فلم يصدر أي إعلان واضح عما انتهت إليه الجلسات، ولا شرح لمسار القضايا، ولا تفاصيل تطمئن العائلات التي تنتظر معنى حقيقيًا لكلمة “محاسبة”.
أعلنت وزارة العدل عن جلستين لمحاكمة متهمين على خلفية تلك الأحداث، وجرى بث وقائعهما مباشرة عبر منصاتها الرسمية، في خطوة اعتُبرت آنذاك مؤشرًا على تبني نهج المحاكمات العلنية المفتوحة. استضاف قصر العدل بحلب، في الثامن عشر من تشرين الثاني 2025، أولى جلسات المحاكمة العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل، تلتها جلسة ثانية في الثامن عشر من كانون الثاني الماضي. وقد صرحت الجهات الرسمية أن هذا المسار القضائي يهدف إلى محاسبة المتورطين في الجرائم التي طالت مدنيين وعناصر أمن على حد سواء.
إلا أن الوزارة لم تعلن، حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، عن النتائج التي تمخضت عن تلك الجلسات، أو القرارات الصادرة بحق المتهمين، أو الإجراءات القضائية اللاحقة المتعلقة بسير الدعاوى، وذلك رغم محاولات عنب بلدي المتكررة للتواصل معها للحصول على توضيحات دون تلقي أي رد. إن الاقتصار على بث الجلسات دون نشر خلاصات قانونية واضحة أو بيانات رسمية بشأن الأحكام أو مواعيد الجلسات اللاحقة، يثير تساؤلات جدية حول طبيعة المرحلة التي وصلت إليها هذه القضايا، ومدى انتظامها ضمن مسار واضح المعالم.
يرى قانونيون أن العلنية لا تقتصر على فتح قاعة المحكمة أو بث الوقائع، بل تمتد إلى ضمان حق الرأي العام والضحايا في معرفة نتائج المحاكمات، وما إذا كانت الإجراءات تسير وفق جدول زمني واضح. الحقوقي المعتصم الكيلاني، أوضح في حديثه إلى عنب بلدي، أن علنية الجلسات في محاكمات أحداث الساحل تمثل تطورًا مهمًا مقارنة بتاريخ طويل من المحاكمات غير العلنية في سوريا. وأشار إلى أن الجلسة الأولى عُقدت بحضور وسائل إعلام وذوي متهمين، وبُثت أجزاء منها عبر قنوات رسمية، مع تأكيد رئيس المحكمة على مبدأ العلنية.
وأضاف الكيلاني أن الجلسة الثانية شهدت حضورًا لذوي متهمين وبعض ذوي الضحايا، إلى جانب صحفيين ومراقبين، ما منحها طابعًا عامًا يتجاوز الإطار الإجرائي المغلق، معتبرًا أن هذا الانفتاح ينسجم مبدئيًا مع ضمانات المحاكمة العادلة. إلا أنه شدد على أن العلنية لا تُختزل بفتح القاعة أمام الإعلام أو بث مقاطع مصورة، بل تمتد إلى نشر الأحكام المسببة، وبيان الأساس القانوني للتجريم، وكيفية تقييم الأدلة، وتوضيح مصير المتهمين وحقوقهم في الطعن. وأكد أن معيار الجدية لا يقاس بحضور الكاميرات، بل بمدى شفافية المخرجات القضائية وإتاحة الرقابة المجتمعية والقانونية عليها.
وأشار الحقوقي السوري المعتصم الكيلاني إلى أن الجلسات الأولى اتسمت بطابع إجرائي، مع تأجيل الاستماع التفصيلي في بدايات المسار، ما يجعل الحكم على جدية المحاكمة مرهونًا بتطور الجلسات اللاحقة. ولفت إلى أن أي غياب لإعلان رسمي واضح حول مخرجات الجلسات أو مصير المتهمين يطرح إشكاليات تتعلق بالشفافية المنهجية، خاصة في قضايا ترتبط بانتهاكات جسيمة.
بحسب ما ورد في التقارير، فإن الأحداث شملت مقتل ما لا يقل عن 1426 شخصًا، معظمهم من المدنيين، في سياق أعمال ذات طابع طائفي وعمليات قتل ميداني وحرق ونهب، وهو ما يجعل حق الرأي العام في المعرفة جزءًا من حق الضحايا في الحقيقة، وفقًا للكيلاني. يكشف سير الجلسات عن عناصر إيجابية وأخرى مثيرة للقلق. فمن جهة، شملت لائحة الاتهام متهمين من طرفين، منهم سبعة مرتبطون بالنظام السابق، وسبعة من عناصر وزارة الدفاع وقوى الأمن في العهد الحالي، متهمين بقتل مدنيين عُزّل وأعمال نهب وحرق وتجاوز أوامر.
تعد هذه الازدواجية في الاتهام، بحسب الكيلاني، مؤشرًا مهمًا على محاولة تجنب الانتقائية، إذ تستهدف المساءلة، نظريًا، عناصر من السلطة الحالية وليس فقط خصومها. في المقابل، نبه إلى أن المحاكمة تجري بموجب قانون العقوبات السوري رقم “148” لعام 1949 المعدّل، الذي لا يتضمن تعريفات خاصة لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو التعذيب والإخفاء القسري، ما قد يؤدي إلى تكييف الانتهاكات الجسيمة ضمن جرائم عادية، وهو ما قد يخفض الوصف القانوني لأفعال قد ترقى، بطبيعتها وسياقها، إلى جرائم دولية.
كما أشار إلى إثارة ادعاءات حول انتزاع اعترافات تحت التعذيب، مؤكدًا أن مشروعية الأدلة تبقى مرهونة بإخضاعها لفحص قضائي صارم، مع ضمان حق الدفاع بالاطلاع الكامل على الملف، ومناقشة الشهود، وحظر استخدام الأدلة المنتزعة بالإكراه. وفيما يتعلق بالعدالة الانتقالية، أوضح الكيلاني أن تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق وإحالة مئات الملفات إلى القضاء يمثل خطوة ذات دلالة، لكنه شدد على أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على الإحالات القضائية، بل تشمل كشف الحقيقة بصورة شاملة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمانات عدم التكرار.
ستظل قيمة هذه المحاكمات مشروطة بإطار وطني معلن يحدد أهداف العدالة الانتقالية وآلياتها، محذرًا من أن أي غموض مستمر أو معالجات جزئية قد يُضعف الأثر الرمزي للمسار القضائي ويُبقي الثقة المجتمعية بالقضاء في حالة هشاشة.
من جهته، قال مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، في حديث إلى عنب بلدي، إن المحاكمات الجارية في أحداث الساحل يمكن قراءتها كخطوة إيجابية ورسالة سياسية وقضائية للضحايا والمجتمع بأن مسار المساءلة ممكن، لكنها لا ترقى بذاتها إلى تحول بنيوي ما لم تُستكمل بضمانات استقلال القضاء واتساع نطاق المساءلة. وأضاف أن القيمة الأساسية لا تكمن في العلنية بحد ذاتها، بل في تحويل نتائج التحقيق إلى إجراءات قضائية حقيقية مبنية على أدلة ووثائق، مع تمكين الدفاع والادعاء من ممارسة أدوارهما بما يقارب معايير المحاكمة العادلة.
وأشار عبد الغني إلى وجود فجوة بين العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية، موضحًا أن المحاكمات الجزائية لو كانت علنية، تبقى جزءًا من المساءلة، لكنها لا تشكل عدالة انتقالية مكتملة، لأن الأخيرة تتطلب حزمة أوسع من الأدوات تشمل كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمانات عدم التكرار، وليس فقط إنزال العقوبات. وأكد أن العلنية تمثل ضمانة أساسية ضد التعسف، لكنها لا تغني عن منظومة متكاملة من الضمانات، تشمل المساواة أمام القضاء، وقرينة البراءة، وحق الدفاع الفعال، وحق الطعن، وحظر الإكراه، والاعتماد على أدلة قابلة للفحص القضائي.
وقال عبد الغني إن أي غموض رسمي يتعلق بسير الدعوى أو وضع المتهمين أو تنفيذ الأحكام قد يفرغ العلنية من مضمونها الحقوقي، ويقوّض حق الجمهور في الوصول إلى معلومات تتعلق بانتهاكات جسيمة تمس المجتمع بأكمله. هذه المحاكمات تمثل خطوة مهمة، لكنها لا تصبح ركيزة حقوقية مكتملة إلا إذا أُدرجت ضمن استراتيجية وطنية شاملة تدار بمنطق سيادة القانون، وتؤسس لإصلاحات تشريعية ومؤسساتية تضمن استقلال القضاء وتمنع تكرار الانتهاكات.
تعود خلفية القضية إلى السادس من آذار 2025، حين اندلعت توترات أمنية في ريف اللاذقية غربي سوريا، إثر تحركات نفذها عناصر من جيش النظام السابق استهدفت عناصر الأمن العام. وخلال ساعات، سيطرت مجموعات تصفها الأوساط الحكومية بـ”الفلول” على مناطق في مدينتي اللاذقية وطرطوس، ما أدى إلى سقوط قتلى من عناصر الأمن. عقب ذلك، دفعت وزارتا الدفاع والداخلية بتعزيزات عسكرية إلى المنطقة، تبعتها مؤازرات من فصائل مسلحة موالية للحكومة، إضافة إلى مدنيين محليين حملوا السلاح. تزامن انتشار هذه القوى مع وقوع انتهاكات واسعة ومجازر طالت مدنيين، وأودت بحياة المئات، في سياق حمل أبعادًا طائفية وفق شهادات وتقارير حقوقية.
مع فجر السابع من آذار، أعلنت القوات الحكومية استعادة السيطرة على المناطق التي شهدت الاشتباكات، غير أن التوترات لم تتوقف بشكل كامل، إذ استمرت حوادث القتل خارج نطاق القانون حتى الثامن من الشهر ذاته، مخلفة أضرارًا بشرية ومادية واسعة. وعقب انتهاء العمليات، أصدر الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، قرارًا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق، في خطوة قالت الرئاسة إنها تهدف إلى كشف ملابسات ما جرى وتحديد المسؤوليات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة