عام على الحوار الوطني في سوريا: إنجازات مرحلية وتحديات بناء الدولة


هذا الخبر بعنوان "عام على مؤتمر الحوار الوطني.. إيجابيات مرحلة واستحقاقات تنتظر الاكتمال" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مر عام على انعقاد مؤتمر الحوار الوطني، الذي واجه انتقادات واسعة تراوحت بين الاعتراض على الدعوات والحضور، والسرعة في إنجاز الاستحقاقات، وتباين النتائج بين ما هو واقعي وما لم يحقق الأهداف المرجوة. تستدعي هذه الانتقادات التوقف عندها والبناء عليها، فمسألة الحوار الوطني بين السوريين، بعد ستة عقود من الاستبداد وأربعة عشر عاماً من القتل والتدمير، تتجاوز كونها مجرد مؤتمر. إنها تتطلب ديناميكية مستمرة تؤسس لحوار دائم يكون مكانه في المستقبل المؤسسات الرسمية والتشريعية والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني.
مع ذلك، كان للمؤتمر دور كبير في إطلاق عملية بناء كانت بحاجة إلى نقطة ارتكاز سياسية ومدنية، بعد نقطة الارتكاز العسكرية التي أرساها مؤتمر النصر. ورغم أهميته، لم يكن المؤتمر، مهما طالت أيامه أو اتسع نطاق حضوره، كافياً بمفرده لمواجهة حجم التحديات والاستحقاقات التي كانت تنتظر سوريا في بداية العام الأول من التحرير.
بالرغم من هذه التحديات، شهدت المرحلة التي تلت المؤتمر تقدماً وتطوراً ملحوظاً على صعيد بناء أسس الدولة وترتيب علاقاتها الخارجية، التي كانت تشكل عائقاً حقيقياً أمام أي تحسن داخلي. لقد أدرك الرئيس أحمد الشرع مبكراً أن أي عملية تنموية أو إصلاحية داخلية فاعلة ومستدامة لا يمكن أن تنطلق ما لم يتم بناء وترسيخ العوامل الأساسية التي تتطلبها عملية إنشاء الدول.
فالدولة السورية، على الرغم من مرور أكثر من قرن على تأسيسها، كانت في معظم الأحيان هشة وفاشلة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والإدارية. وحتى التجربة الديمقراطية البسيطة التي أعقبت الاستقلال كانت ضعيفة لدرجة أنها لم تصمد أمام أول نزوة انقلابية عسكرية قادها حسني الزعيم.
لقد استوعب الرئيس أحمد الشرع هذه الحقيقة، وربما ساعدته التجربة الصعبة والناجحة التي خاضها في محافظة إدلب على بلورة رؤية استراتيجية للمراحل الأولى من تأسيس الدولة. فلا يمكن لأي عملية تنموية داخلية أن تنجح دون تجاوز التحدي الأمني الكبير، وتحدي وحدة البلاد، وتطبيع علاقات سوريا مع العالم والإقليم، ورفع الحصار الاقتصادي الذي تعرض له الشعب السوري. يضاف إلى ذلك حالة التمزق الاجتماعي العميق وهاجس الخوف من أعمال انتقامية واسعة أو الانجرار إلى حروب أهلية طائفية أو مناطقية.
إن هذه التحديات لا يمكن وصفها إلا بأنها من أعظم ما يمكن أن تواجهه أمة، خاصة في عصر تتسارع فيه وتيرة التطور والأحداث بشكل غير مسبوق، وفي منطقة تزخر بالقنابل الموقوتة التي تهدد استقرارها، وصراعات كبرى على الأمن والحدود والطاقة والوجود.
لقد شكل مؤتمر الحوار الوطني نقطة انطلاق واضحة للعمل على مواجهة كل هذه التحديات، وقد تحقق تقدم كبير في هذا الصدد خلال الفترة الماضية، وهو تقدم ربما لم يكن لأي شخصية سياسية في العالم أن تتخيل إمكانية تحقيقه. علاوة على ذلك، استمرت مسألة الحوار الوطني على مستويات مختلفة، بدءاً من لقاءات القيادة، وخاصة الرئيس أحمد الشرع، مع فئات وشرائح اجتماعية وسياسية واسعة، وصولاً إلى النشاط السياسي الذي خاضته مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني. كما ساهم استحقاق تشكيل مجلس الشعب، وما رافقه من حراك ولقاءات وتشعبات سياسية، بشكل كبير في تقريب وجهات النظر واحتكاك فئات المجتمع السوري ببعضها.
إن حالة النقاش والصخب السياسي التي تشهدها الساحة السورية حالياً، سواء في الواقع أو عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ورغم فوضويتها أحياناً، تعد دليلاً كبيراً على نجاح المجتمع السوري في الانتقال من حالة الصراع والتنافس السياسي العنيف إلى حالة العمل السياسي السلمي، وهذا يُحسب للدولة ولوعي الشعب السوري معاً.
يُعد ارتفاع مستوى الحرية، وإن كان غير منظم في بعض الأوقات، إنجازاً بحد ذاته. كما أن حالة الانتقاد والتذمر هي حالة صحية ستؤسس مع الوقت لحياة سياسية طبيعية في سوريا. ولا بد أن تتوج هذه الحالة بقانون عصري للأحزاب ودستور دائم يحترم طموحات الشعب السوري، ويحافظ في الوقت ذاته على مسار الانتقال نحو الدولة، مع ترسيخ مبادئ وأفكار وقيم الثورة.
من الواضح في المرحلة الراهنة وجود رغبة ونية في الانتقال من معالجة الملفات التأسيسية الكبرى للدولة والملفات الخارجية إلى جوهر تطور الدولة السورية، وهو التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الداخلية. وتصدر عن الدولة رسائل عدة توحي بأن المسألة الداخلية في سوريا تنتقل تدريجياً إلى سلم أولويات الحكومة والدولة السورية، خاصة وأن النجاحات السياسية الخارجية أسهمت بشكل كبير في تحييد سوريا حالياً عن أكبر هزة سياسية وعسكرية تتعرض لها منطقة الشرق الأوسط، والتي تتعلق بالصراع مع المشروع الإيراني في المنطقة، والذي ربما وُجهت له أكبر ضربة سياسية وعسكرية بانتصار الثورة السورية.
بالعودة إلى مسألة الحوار الوطني، لا بد أن نتفق على أنه يجب ألا يكون له بداية أو نهاية، بل هو حالة مستمرة ومستدامة تتطور باستمرار بأشكال وآليات وأدوات متعددة. وربما يكون على رأس هذه الآليات وجود مؤسسة تشريعية حقيقية تعبر عن هموم الناس وطموحاتهم، وتشكل مؤسسة رسمية لمساءلة الحكومة وتنظيم الحياة القانونية في البلاد، وتؤسس للرؤية الجديدة التي يجب أن تكون عليها سوريا.
إن أي أفكار تُطرح الآن حول شكل النظام السياسي في سوريا، أو مبادئ الإعلان الدستوري، أو مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، أو مسألة العدالة الانتقالية، هي في النهاية أفكار ورؤى مشروعة في ظل مرحلة يُفترض أن تكون مؤسسة لشكل وهوية الجمهورية الثالثة التي يجب أن تنطلق بنهاية المرحلة الانتقالية.
لكن سنة واحدة لا تكفي لبدء عملية المحاسبة على كل هذه القضايا. فالوقت، رغم كونه ضاغطاً أحياناً، هو جزء وعامل مهم من الحل، ولا بد دائماً من التعامل معه بحذر، ومنح الوقت للوقت كي لا نقع في أفخاخ المغامرات السريعة التي قد يكون ثمنها باهظاً.
إن تطور الحوار الوطني مرتبط بالتأكيد بتطور الحياة السياسية. والحياة السياسية التي يجب أن تتمتع بهامش كبير من الحرية، لا بد أن تتمتع أيضاً بضوابط حقيقية أخلاقية ووطنية وثورية للحفاظ على أمن وسلامة المجتمع. كما يجب أن تترافق بارتفاع كبير في درجة الوعي وتطور المهارات السياسية لدى الشعب السوري، لتكون هذه الحياة معبرة عن روح وطنية لا عن مصالح فئوية أو طائفية أو مناطقية أو طبقية. ولا بد أن تترافق بعملية تحول وتطور فكري كبير تقوده نخب المجتمع السوري أينما وجدت، داخل أو خارج السلطة، وداخل أو خارج البلاد.
لذلك، ومع انطلاق أعمال مجلس الشعب، وفي هذا الجو الغني بالنقاشات والتفاعل الفكري والسياسي، أرى أن الحوار الوطني سوف يترسخ كل يوم في سوريا وفي كل مكان، ويكتسب الخبرة يوماً بعد يوم على صعيد القدرة على التكيف مع الاختلاف ومع المختلف، ويساهم في تقارب الرؤى والأفكار والتخفيف من الشحن الاجتماعي الذي ترسخ خلال عقود الاستبداد.
على هامش مجلس الشعب، ستنشط الحياة السياسية على صعيد المجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية. ولا بد أن تترافق في المراحل القادمة مع بدء تطور الأحزاب والتيارات السياسية الوطنية المتطورة والحديثة، التي تتناسب مع التحديات العالمية الاقتصادية والسياسية، وتستطيع أن تقدم رؤى وحلولاً حقيقية سياسية واقتصادية سورية على الصعيدين الداخلي والخارجي.
كما لا بد أن يلعب الإعلام دوره الإيجابي الوطني البناء في مسألة الحوار وإدارته، دون أن يكون موجهاً له أو وصياً عليه، ودون أن يلعب دور المحرض أو القاضي، وأن يتمتع بنزاهة إعلامية وفكرية تجعله يؤدي رسالته الإنسانية ويمارس دوره كسلطة رابعة بشكل نزيه ووطني وأخلاقي.
إن حالة الهدوء والتروي التي يدير بها الرئيس أحمد الشرع البلاد خلال هذه المرحلة تعبر عن وجود رؤية حقيقية لديه للانتقال إلى منطق الدولة. فبعد نجاحه في قيادة الثورة السورية إلى الانتصار، يسعى اليوم بالتأكيد إلى قيادة الدولة السورية نحو النجاح. إن أكبر تحد يواجه السوريين وسوريا اليوم هو ألا تفشل في أن تكون دولة ناجحة، أو أن تفشل في الخروج من غرفة الإنعاش بعد أن خاضت أعظم استحقاقاتها التاريخية التي توجت يوم 8 كانون الأول. وهذا يتطلب من الجميع الحكمة والهدوء وأن نمنح الوقت للوقت.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة