نبض رمضان في دمشق: حي الميدان يحكي قصص الأصالة والتراث


هذا الخبر بعنوان "رمضان دمشق.. القلب ينبض في “الميدان”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع حلول شهر رمضان المبارك، لا يقتصر الاحتفال على رؤية الهلال فحسب، بل يبدأ أيضًا بتلك النداءات المفعمة بالحياة التي تملأ فضاء سوق “الجزماتية” في حي الميدان الدمشقي. “قرّب ع الجلّاب يا حبّاب.. لله الأمر يا تمر.. هذا الدوا وعلى الله الشفا يا صايم”، بهذه العبارات التي تمتزج برنة الصنوج النحاسية، تنطلق طقوس “مطبخ الشام” الأكبر، حاملةً معها روح مدينة استعادت حيويتها، ليصبح السوق مرآة لواقع يجمع بين الحنين للماضي وتحديات الحاضر.
على طول الطريق الممتد من “بوابة الميدان” باتجاه عمق السوق، يتوزع “رؤساء البسطات” كقادة أوركسترا يديرون مشهد البيع. لا يقتصر عملهم على بيع الحلويات، بل يتجاوزه إلى ما يُعرف بـ”الزهزهة”، وهو فن تنسيق الصواني لجذب المارة. يوضح محمود الحلاق، صاحب محل حلويات، لعنب بلدي: “رئيس البسطة هو اللي بزهزه الشغل، هو اللي بيرسم اللوحة اللي بتجذب العين قبل المعدة، إذا كانت المصفوفة حلوة والبضاعة نظيفة، الناس لحالها بتنجذب وبتستبشر بالخير”.
تُعزز هذه الجاذبية البصرية بجودة المنتج التي يشتهر بها حي الميدان، حيث يُعتبر السمن العربي “سيد الموقف”. ومع استقرار سعر الصرف نسبيًا عند حدود 11,700 ليرة سورية مقابل الدولار الواحد، يسعى الباعة للحفاظ على استمرارية الإقبال. يبلغ سعر كيلو الحلويات العربية “الإكسترا” حوالي 275 ألف ليرة، بينما تُباع أصناف مثل “النهش” بـ80 ألف ليرة، و”شعيبيات الجوز” بسبعة آلاف ليرة للقطعة، لضمان توفر خيارات تناسب الجميع وألا يغادر قاصد السوق “مكسور الخاطر”.
وسط هذا الزحام، تبرز قصص القادمين من أطراف دمشق وضواحيها، الذين يرون في “الجزماتية” وجهة لا بديل عنها. “أبو أحمد”، الذي قطع مسافة طويلة من الكسوة، يقف أمام أحد محال الحلويات وهو يوازن أكياسه. يقول لعنب بلدي: “جاي من الكسوة لحتى أشتري المعروك والحلويات من هون، بالجزماتية في نَفَسْ ومودة وأجواء ما بتلاقيها بأي سوق تاني”. ويضيف “أبو أحمد” وهو ينظر إلى حركة الناس: “مو بس قصة أكل وشرب، القصة إني بدي ولادي يعيشوا رمضان الحقيقي، يحسوا بهي العجقة، ويشموا ريحة السوس والناعم”. تمثل هذه الرحلة حالة المئات الذين يزورون الميدان يوميًا في رمضان، ليس للتسوق فحسب، بل لاستعادة إحساس الانتماء إلى طقوس دمشقية أصيلة.
على جنبات الطريق، لا يهدأ نداء بائع العصائر الرمضانية، الذي تمثل بضاعته القاسم المشترك على موائد الصائمين. بظهره المحني قليلًا تحت ثقل إبريقه النحاسي المزين بالياسمين، يصدح بعبارته الشهيرة: “يا جبّار الخواطر.. الله يجمع عباده عنّا”. يرى “أبو محمود”، الذي قضى عقودًا في هذه المهنة، أن نداءه هو دعاء قبل أن يكون تسويقًا. يقول لعنب بلدي: “العرقسوس والتمر هندي هني أساس السفرة، واليوم الكيس بـ15 ألف ليرة، سعره بيسمح للكل يفرح أهله”. ويضيف: “لما بنادي بهي الكلمات، بكون عم أجبر بخاطر الناس، والشام طول عمرها بتجبر بخاطر الغريب والقريب، وهاد هو جوهر رمضاننا”.
في أفران الميدان، يُعتبر “المعروك” أكثر من مجرد عجين مخبوز، إنه رمز لاكتمال طقوس الشهر. يقول محمود قصاب، وهو خباز “معروك”، لعنب بلدي: “المعروك مو مجرد طبق إضافي، المعروك تراث وحكاية قديمة بتجمعنا. الشعب السوري هو الوحيد اللي بيقدر يخلي العجين يحكي حكايات”. وتتنوع أصناف “المعروك” لتشمل المحشو بالشوكولا والقشطة و”اللوتس” (بأسعار تصل إلى 35 ألف ليرة)، لكن يظل “المعروك السادة” (بين أربعة وعشرة آلاف ليرة) هو المفضل لكثيرين لرائحته التي تعبق في الحارة وتذكرهم بموائد الأجداد.
وإلى جانب “المعروك”، يقف “الناعم” ملكًا للأرصفة بلا منازع، هذا الرغيف المقرمش المزين بدبس الخرنوب، والذي يشتهر بلقب “رماك الهوى يا ناعم”، هو الطبق الذي لا يظهر إلا في رمضان. يُباع بأسعار مقبولة تجعله في متناول الجميع، ليتحول إلى “فرحة الأولاد” التي لا تكتمل جولة السوق دونها. منظره الذهبي وهو يُقلى في الزيت ثم يُسقى بالدبس، يعطي لـ”الجزماتية” لونًا خاصًا يرتبط بذاكرة الطفولة لكل دمشقي.
بينما يرتفع صوت المؤذن “الله أكبر” من مآذن دمشق، يهدأ صخب “الجزماتية” قليلًا، وتخلو الشوارع لعدة دقائق في لحظة سكينة تلي “عاصفة” التسوق واللهفة. عُرف المكان تاريخيًا بـ”ميدان الحصى”، وكان بوابة دمشق الجنوبية ومحطة لتزويد الحجيج بالزاد عند جامع “الدقاق”. وقد استثمر أهله خبرتهم التاريخية ليحولوا خانات المسافرين وأسواق “الجزم” والجلود القديمة إلى مطبخ دمشق الأكبر، مستفيدين من قربهم من حوران (مصدر القمح والسمن) ليصنعوا “نَفَس” الميدان الذي لا يُعلى عليه. هنا يثبت السوريون أنهم قادرون على تجاوز الصعاب بالتمسك والمحبة، لتخرج روح دمشق الرمضانية من قلب الميدان لتقول: “هنا دمشق، هنا الحياة، وهنا استعادت الحكاية نكهتها الحقيقية، بنكهة السمن العربي، ورنة صنوج السوس، ودعوات الجبر التي تملأ الأفق مع كل غروب”.
سوريا محلي
ثقافة
ثقافة
اقتصاد