عام على تمرد الساحل السوري: مواجهة الدولة الجديدة وتحديات العدالة


هذا الخبر بعنوان "الافتتاحية: عام على التمرد" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مرّ عام كامل على تمرّد فلول النظام المخلوع في الساحل السوري، الذي شكّل أول مواجهة مسلّحة بين بقايا قوّات الأسد الهارب والدولة السورية الجديدة، وذلك بعد تحرير سوريا في الثامن من كانون الأول 2024. بدأت هذه العملية بسلسلة من الكمائن التي استهدفت رجال الأمن المنتشرين في منطقة الساحل السوري، وبدت منظّمةً للغاية وبتنسيق عالٍ بين قيادات فلول قوّات الأسد، سواء من حيث التكتيك أو التنظيم أو التخطيط، وهو ما كشفته لاحقاً تسريبات قناة “الجزيرة”.
كان قادة هذا التمرّد من أبرز وجوه الإجرام بحقّ السوريين خلال سنوات “الثورة السورية” وحتى قبلها، بدءاً من غياث دلا وصولاً إلى سهيل الحسن، حيث انطلقت الشرارة الأولى للتمرّد من قريته “بيت عانا” بريف جبلة، بالإضافة إلى آخرين أوغلوا في ارتكاب الجرائم بحقّ الشعب السوري. فما الذي دفع هؤلاء القتلة إلى هذه العملية؟ إنّ معظم القادة والمنخرطين في تلك العمليات هم من المطلوبين للشعب السوري قبل الدولة السورية الجديدة، وتدرج أسماؤهم على لوائح العقوبات الدولية، لما ارتكبوه من مجازرَ وعمليات قتل على مدار 15 عاماً. وإدراكاً منهم بأنّهم لن يفلتوا من العقاب والمحاسبة، عملوا على مبدأ التاجر الخاسر الذي لا يجد ما يخسره أساساً، فحاولوا توريط المنطقة والزجّ بها في صراع كاد أن ينفجر إلى صراع طائفي دموي لا ينجو منه أحد، وهذا بالطبع ما كانوا يبحثون عنه: الفوضى وخلط الأوراق.
لم يكن يهمّهم من يسقط من الضحايا، كما لم تكن تهمّهم المنطقة إن اشتعلت بالبارود والنار، بل كان المهمّ أن ينجوَ هؤلاء القتلة من المحاسبة، ولو على حساب أهلهم. آلاف الجرائم والمجازر التي ارتكبوها بحقّ المدنيين السوريين موثّقة بالاسم، منها ما تمّ باستخدام السلاح الأبيض وأخرى بالمدفعية أو الطائرات. لكن من أقساها وأبشعها ما انكشف عقب وصول الأهالي إلى سجن صيدنايا، وما تبيّن لاحقاً من مقتل جميع المختفين قسرياً في سوريا، وعددهم لا يقلّ عن 112 ألفاً و414 شخصاً، وفق تقرير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” الصادر في 28 كانون الأول 2024. وقد زاد هذا الأمر من تعقيد المشهد ورفع منسوب النقمة الشعبية على قوات الأسد ومخابراته، وشكّل حالة من الاحتقان الشديد لدى عائلات الضحايا، ليأتي تمرّد فلول النظام المخلوع مترافقاً مع ما تعيشه تلك العائلات من خيبة كبيرة وخسارة مرّة.
وخلال عمليات السيطرة على تمرّد فلول الأسد المخلوع، مُورست انتهاكاتٌ في المنطقة من قبل عدد من العناصر المحسوبين على الدولة السورية، والذين كانوا يتحرّكون بدافع الثأر الشخصي وتطبيق الانتقام الجماعي، بعيداً عن التعليمات التي تلقوها من قياداتهم، أو حتى أخلاق العنصر أو الثائر، التي من المفترض أن يتحلّوا بها.
بعد ذلك، لم يتوقّف فلول الأسد عند هذا الحدّ، فبين الحين والآخر كانوا يحاولون استغلال حدث هنا وآخر هناك من أجل إشعال المنطقة مجدداً، وهم يعلمون جيداً أنّها إن اشتعلت لن تُبقي ولن تذر، ويكون الجميع بلا استثناء خاسرين فيها. إنّ أرواح المدنيين وأمنهم هي مهمّة الدولة ويجب أن تتحمّل مسؤوليتها الكاملة تجاههم. والحلّ الأمثل لحماية السوريين جميعاً هو تسريع الخطوات في طريق تطبيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين في محاكم علنية تهدّئ من حالة الاحتقان لدى عائلات الضحايا. ما عدا ذلك، ستبقى دوامة الحقد والعنف والثأر الشخصي المنفلت خارج نطاق الدولة والقانون، ونبقى ندور في حلقة مفرغة تحصد المزيد من الأرواح والدماء.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة