تطور حرب المسيّرات: كيف قلبت أوكرانيا الموازين بابتكاراتها الدفاعية ضد الطائرات الإيرانية والروسية؟


هذا الخبر بعنوان "من إيران إلى روسيا… كيف واجهت أوكرانيا المسيّرات؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الميدان الأوكراني وأجوائه، تتجلى الداروينية العسكرية بمعناها الحقيقي، كما يصفها جورج عيسى. ففي الأيام الأولى للغزو، حين تعطل الرتل الروسي الشهير على حدود كييف، كانت مسيّرات «بيرقدار» التركية تفتك بالدبابات وخطوط الإمداد الروسية على حد سواء، مساهمة بفعالية في الدفاع الناجح عن العاصمة كييف.
لاحقاً، يبدو أن تركيا أوقفت إمداد الأوكرانيين بصناعتها، ربما بطلب من الروس، رغم أنها عادت للظهور في أوكرانيا عام 2025 بحسب تقارير. في غضون ذلك، كانت إيران ترسل مسيّراتها إلى روسيا، وساعدتها على توطين تلك الصناعة هناك. أصبحت روسيا تصنّع مسيّراتها «جيران-2» بناءً على النسخة الإيرانية من «شاهد-136». وفي عام 2023، بدأت أوكرانيا تتلقى مسيّرات أميركية، من بينها «سويتش بلايد».
شهد عام 2024 انفلاشاً في حرب المسيّرات، على مستوى التصنيع والاستخدام والتأثير، وهو تطور تأخر العالم بأسره تقريباً عن اللحاق به. في تقرير سابق بعنوان: «حرب المسيّرات: الأضعف يعلّم الأقوى»، ذكرت «النهار» ندم بعض الإسرائيليين، عقب هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، لرفضهم عرضاً أوكرانياً سابقاً للتعاون في مجال المسيّرات.
اللافت في عام 2024 هو أن المسيّرات بدأت تؤدي الدور الأكبر والأوضح في عدد الخسائر الروسية، حتى وصلت مساهمتها أخيراً إلى 70 وحتى 80 في المئة من تلك الخسائر. وكان عام 2025 محورياً لحرب المسيّرات، سواء في تحقيق الاختراقات أو إجراء التجارب ونقلها سريعاً إلى التصنيع ثم الخطوط الأمامية. بالطبع، أظهرت روسيا أيضاً قدرة على الابتكار والمرونة، بدأ ذلك خصوصاً مع المسيّرات العاملة على الألياف الضوئية المحصّنة من التشويش، وقدرتها على زيادة التصنيع بشكل سريع وكبير، بالإضافة إلى تمكنها من استهداف مراكز التحكم بالمسيّرات. لكن كل ذلك لم يؤدِّ إلى اختراق ميداني.
صمد الطرف الأضعف، وللتذكير، نجح في الشهر الماضي باستعادة نحو 400 كيلومتر مربع من الأراضي. الأهم أن مسيّراته باتت محط اهتمام في الولايات المتحدة والشرق الأوسط مع اندلاع الحرب على إيران. ولأسباب وجيهة جداً، لا ينحصر الأمر في بروز شركات أوكرانية عدة لتصنيع الأسلحة المضادة للمسيّرات، فالتقنية والفاعلية والكلفة أمور بالغة الحيوية هنا.
تبلغ سرعة بعض المسيّرات الأوكرانية مثل «ستينغ» نحو 300 كيلومتر في الساعة، وبإمكانها بسهولة اصطياد مسيّرات «شاهد-136» التي لا تتجاوز سرعتها 185 كيلومتراً في الساعة. وثمة شركة أوكرانية تصنّع مسيّرات بهذا الاسم: «صيّادة شاهد». ونقلت «فايننشال تايمز» عن مسؤول أوكراني قوله: «هناك حرفياً 12 شركة تصنّع اعتراضات حركيّة – مسيّرات رباعية المروحيات أو مسيّرات ذات أجنحة ثابتة ببضعة آلاف الدولارات للقطعة الواحدة».
كانت مسيّرات «ستينغ» لـ «وايلد هورنيت» الأوكرانية بارعة في اصطياد المسيّرات إلى درجة نسبت «فوكس نيوز» صورها إلى القوات الأميركية في البداية، قبل أن تصحح ذلك لاحقاً. وتقول الشركة إن مسيّراتها الاعتراضية كبّدت روسيا نحو 2.3 مليار دولار، من بينها نحو 4 آلاف مسيّرة من طراز «شاهد» أو «جربيرا» (الروسية). و«جربيرا» هي أصغر بقليل من «شاهد-136». الأهم أن «ستينغ» تمكنت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي من إسقاط مسيّرة «جيران-3» أو «شاهد-238» التي تحلّق بسرعة أكبر في بعض الأحيان (600 كيلومتر) وعلى مستوى أكثر ارتفاعاً، كما تستطيع بلوغ مسافة 2500 كيلومتر.
تتراوح التقديرات بشأن كلفة مسيّرات «شاهد» بين 30 ألف و70 ألف دولار، في مقابل ما معدله 4 آلاف دولار للمسيّرة الأوكرانية المضادة. لا مجال للمقارنة هنا مع صاروخ اعتراضي من منظومة «باتريوت» حيث تبلغ كلفته نحو 3 ملايين دولار. وهناك أيضاً مسيّرات «الأخطبوط» من الجيل التالي التي تُطوّر بالشراكة مع البريطانيين. هي تستطيع مطاردة المسيّرات المنخفضة التحليق وتستخدم تقنيات التعرف إلى الصورة والمعالجة المدمجة. تطير عمودياً وعصية على التشويش بحسب محللين غربيين. تعدّ هذه المسيّرات أفضل بكثير من نظيرتها الأوكرانية الأخرى لأنها تتطلب منصات إطلاق أقل تعقيداً وقادرة على التحليق على مستويات عالية لتواجه «جيران-2» الروسية، من بين أمور أخرى. كان من المفترض البدء بتصنيع نحو ألف مسيّرة من هذا النوع في شباط/فبراير الماضي.
للمفارقة، تبدو المسيّرات الروسية بشكل عام واحدة من أصغر التهديدات لأوكرانيا، إذ إنها «مفهومة بشكل جيد وتُهزم بسهولة» وفق البعض، هذا بالرغم من أن روسيا أطلقت في الشتاء الحالي نحو 19 ألف مسيّرة نحو أوكرانيا. وحتى أبعد من الدفاع، فإن حصول دول الخليج العربي على المسيّرات الأوكرانية لن يمنحها فقط مزايا دفاعية إضافية وخفضاً للضغط على مخزوناتها من الصواريخ المكلفة، بل أظهر الميدان الأوكراني أنه يمكن تحويل المسيّرات من الهجوم إلى الدفاع وبالعكس. بمعنى آخر، إن توجه آلاف المسيّرات الأوكرانية الاعتراضية إلى ترسانات دول الخليج يمنح الأخيرة قدرة كامنة هجومية، مما يوجه رسالة ردع إضافية إلى إيران.
من نافلة القول إنه لا يمكن اعتبار أي سلاح حلاً سحرياً للمعارك. تعمل المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية ضمن منظومة دفاعية متكاملة (رادارات، مستشعرات، منصات برية ومائية...) وفاعليتها الدفاعية خاضعة لتقديرات متفاوتة، إنما يبقى حدها الأدنى بحسب التقارير الأوكرانية 60 في المئة وقد تصل إلى نحو 80 في المئة. وبعكس الروس الذين تمكنوا من تطوير مسيّراتهم بهدوء، لأنهم غير مراقبين في الداخل، يصعب أن يعمل الإيرانيون على ابتكار مسيّرات جديدة قادرة على تفادي الدفاعات الأوكرانية، بسبب تعرضهم لقصف جوي لا هوادة فيه.
ببساطة، إذا كان بإمكان أوكرانيا المساهمة في بناء «جدار المسيّرات» لحماية حدود أوروبا الشرقية، فبإمكانها المساهمة أيضاً (ولو بشكل أقل) في بناء جدار شبيه في الشرق الأوسط لتعزيز حماية دول الخليج العربي من المسيّرات الإيرانية. وفي الوقت نفسه، ستنقل معها خبرتها إلى القطاعات الدفاعية المحلية، مما يشكل استثماراً إيجابياً لأمن الخليج العربي، على المدى البعيد أيضاً.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة