رمضان في القرى السورية: عادات متجذرة تعزز التكافل الاجتماعي ودفء الروابط الأسرية


هذا الخبر بعنوان "رمضان في القرية السورية… طقوس متوارثة تعزز روح التكافل الاجتماعي" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجدد في القرى السورية خلال شهر رمضان المبارك طقوس فريدة تمزج بين القيم الدينية والموروث الشعبي، لتضفي على الشهر الفضيل أجواءً من الألفة والدفء. تتحول هذه القرى إلى فضاءات حيوية تجمع العائلات والجيران حول موائد المشاركة والتكافل، مما يعزز روح التضامن الاجتماعي.
تبدأ مظاهر استقبال شهر رمضان في بعض القرى السورية قبل أيام من حلوله، من خلال تقليد يعرف بـ"التكريزة". تجتمع العائلات في البساتين أو الأماكن الطبيعية احتفاءً بقدوم الشهر الكريم، في أجواء يغلب عليها الطابع الاجتماعي والألفة. تُعد هذه العادة من التقاليد المرتبطة بالريف السوري، وتعكس البعد الجماعي للحياة القروية، حيث تشير دراسات التراث الشعبي إلى أن مثل هذه اللقاءات الموسمية كانت وسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية واستقبال المناسبات الدينية بروح جماعية.
بالتوازي مع ذلك، تنشغل الأسر بتحضير المؤونة المنزلية، مثل المربيات والمخللات والحلويات التقليدية كالمعمول، في طقس يعكس استعداد الأهالي لاستقبال الشهر الفضيل. توضح الباحثة في التراث الشعبي السوري مريم النعيمي في كتابها «العادات والتقاليد في المجتمع السوري»، أن تحضير المؤونة قبل المناسبات الدينية يعد من السمات المميزة للحياة الريفية، حيث يتشارك أفراد الأسرة في إعداد الطعام وتخزينه استعداداً للشهر الفضيل.
وفي بعض المناطق الريفية، تجتمع النساء لتبييض جدران المنازل بمادة "النورة"، في تقليد يرمز إلى النقاء والتجدد مع حلول الشهر الكريم. ومع حلول اليوم الأول من شهر رمضان، يحرص كثير من أهالي الريف السوري، ولا سيما في محافظتي اللاذقية وطرطوس وريفهما، على تقليد يُعرف بـ"تبييض السفرة". تتصدر مائدة الإفطار أطباق تعتمد على اللبن مثل الشاكرية والشيشبرك والكبة اللبنية، في عادة متوارثة تعبيراً عن التفاؤل بأن يكون الشهر الفضيل حافلاً بالخير والبركة والصفاء.
تُعد "السكبة" من أبرز العادات الرمضانية في القرى السورية، حيث تتبادل العائلات أطباق الطعام قبيل أذان المغرب، مما يضفي تنوعاً على مائدة الإفطار ويعزز روح المشاركة بين الجيران. تتنوع أطباق الإفطار في البيوت الريفية بين الفتوش والتبولة والشوربات والكبة والمحاشي، إلى جانب أطباق تقليدية كالفريكة مع الدجاج أو اللحم والبرغل بالكوسا، إضافة للمشروبات الشعبية كعرق السوس والتمر الهندي.
بعد صلاة التراويح، التي تشهد إقبالاً لافتاً في مساجد القرى، تبدأ السهرات العائلية والاجتماعية. يجتمع الأقارب والجيران لتبادل الأحاديث واحتساء الشاي والقهوة العربية وتناول الحلويات الرمضانية مثل القطايف والعوامة، في أجواء يسودها الود والتسامح. ولا يزال المسحراتي حاضراً في بعض القرى، يجوب الحارات ليلاً قارعاً طبلته ومردداً العبارات التراثية لإيقاظ الأهالي لتناول السحور.
يرى الشاعر صلاح خضر من ريف حمص أن شهر رمضان يشكل فرصة لتعزيز الروابط الأسرية في المجتمعات القروية، حيث تبدأ دعوات الإفطار غالباً في اليوم الأول في بيت كبير العائلة، ليجتمع الأبناء والبنات والأحفاد حول مائدة واحدة تعكس تلاقي الأجيال. ويشير خضر إلى أن الجيران يتبادلون الأطعمة والحلويات المنزلية، كما تُنظم مبادرات لجمع التبرعات لمساعدة الأسر المحتاجة، مما يعزز روح التضامن الاجتماعي خلال الشهر الفضيل.
بدوره، يستعيد الكاتب والروائي عيسى الشيخ حسن ذكرياته الأولى مع الصيام في الريف الشمالي عام 1974، مؤكداً أن أجواء رمضان وما يرافقها من عادات اجتماعية كانت حاضرة في كثير من أعماله الأدبية. ويقول الشيخ حسن: "إن تبادل الأطباق بين الجيران وما كان يعرف بـ«عزيمة رمضان»، وهي اتفاق غير معلن بين أهل الحي لإعداد إفطار جماعي، شكلا جزءاً من الذاكرة الاجتماعية التي وثقتها رواياته"، مشيراً إلى أن الشهر الفضيل يمثل بالنسبة له تجربة إنسانية وإبداعية عميقة.
وتبقى عادات رمضان في القرى السورية، بما تحمله من قيم التضامن وصلة الرحم، تعبيراً حياً عن ثقافة المجتمع الريفي، حيث لا يقتصر الشهر الكريم على الصيام والعبادة، بل يشكل مناسبة لتجديد العلاقات الاجتماعية وتعزيز روح المشاركة بين أفراد المجتمع.
سوريا محلي
ثقافة
ثقافة
ثقافة