اقتصاد

موجة غلاء غير مسبوقة تضرب الأسواق السورية: خبراء اقتصاديون يحللون الأسباب والآثار ويقدمون حلولاً عاجلة

enabbaladi.net٩ آذار ٢٠٢٦ في ١٠:٣٥ م21 مشاهدة
موجة غلاء غير مسبوقة تضرب الأسواق السورية: خبراء اقتصاديون يحللون الأسباب والآثار ويقدمون حلولاً عاجلة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الغلاء يلاحق السوريين.. خبيران يقيّمان الواقع الاقتصادي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آذار ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشهد الأسواق السورية حالياً موجة جديدة وحادة من ارتفاع الأسعار، طالت شريحة واسعة من السلع الأساسية والمواد الغذائية، في ظل ظروف اقتصادية معقدة ترهق كاهل المواطنين السوريين. هذا الارتفاع المتسارع ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية، حيث تتسع الفجوة بشكل مقلق بين مستويات الدخل والأسعار، مما يدفع العديد من الأسر إلى تقليص استهلاكها أو التخلي عن سلع ضرورية. كما يهدد استمرار هذا التصاعد في الأسعار بتفاقم معدلات التضخم وتدهور القدرة الشرائية، مما يعمق التحديات الاجتماعية والاقتصادية اليومية.

غلاء بوتيرة مفاجئة يطال السلع الأساسية

في جولة ميدانية أجرتها عنب بلدي في عدد من أسواق المحافظات السورية، لوحظ ارتفاع كبير في الأسعار خلال الأسبوع الحالي، حيث قفزت أسعار بعض السلع بنحو 50%. على سبيل المثال، تراوح سعر كيلو الفروج بين 34 و39 ألف ليرة سورية، بعد أن كان يتراوح بين 28 و32 ألف ليرة سورية الأسبوع الماضي. ووصل سعر كيلو شرحات الدجاج إلى حوالي 80 ألف ليرة سورية، مقارنة بـ 52-56 ألف ليرة سورية سابقاً، بينما سجل كيلو “فخاذ الوردة” 50 ألف ليرة سورية بعد أن كان 35 ألف ليرة سورية.

الخضار أيضاً لم تسلم من هذه الموجة، فسجل كيلو البندورة في أسواق دمشق 20 ألف ليرة سورية، بعد أن كان 12 ألف ليرة سورية الأسبوع الماضي. وسجل كيلو الخيار والفليفة 18 ألف ليرة سورية، بينما كان سعرهما 11-15 ألف ليرة سورية، وتجاوز سعر كيلو الليمون 25 ألف ليرة سورية بعد أن كان حوالي 18 ألف ليرة سورية. كما طال الغلاء أصناف الحلويات والعصائر والفاكهة وحتى أسعار الألبسة.

وأكد عدد من الباعة الذين التقتهم عنب بلدي تراجع حركة البيع بنسبة كبيرة، حيث أصبحت المبيعات تقتصر على عينات صغيرة. وأرجعوا أسباب الغلاء إلى عوامل عدة، أبرزها ارتفاع أجور النقل ونقص المنتج المحلي، بالإضافة إلى إغلاق استيراد بعض الأصناف الزراعية والحيوانية.

تضخم هيكلي ومستورد: تحليل الخبراء

تثير هذه الموجة الجديدة من ارتفاع الأسعار تساؤلات حول أسبابها الحقيقية وارتباطها بالمتغيرات الاقتصادية المحلية والإقليمية، وتأثيراتها المباشرة على القدرة الشرائية للأسر السورية ومستويات المعيشة. كما تثير مخاوف من استمرار الضغوط التضخمية إذا لم تُتخذ إجراءات للحد من تسارع الأسعار.

الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة”، الدكتور عبد الرحمن محمد، وصف الموجة التضخمية الحالية بأنها عنيفة وثانية من نوعها من حيث الحدة خلال فترة قصيرة، حيث قفزت أسعار المواد الأساسية بشكل غير مسبوق. وأوضح أن هذه الموجة ليست مجرد ارتفاع موسمي عابر، بل هي “تضخم هيكلي ومستورد في آن واحد”.

وحدد الدكتور محمد خمسة عوامل اقتصادية رئيسية وراء هذا التضخم:

  1. صدمة العرض مقابل زيادة الطلب الموسمية: مع حلول شهر رمضان، يزداد الطلب الاستهلاكي على المواد الغذائية واللحوم، بينما يعاني العرض المحلي من محدودية حادة بسبب الجفاف وضعف الإنتاج الزراعي والحيواني وارتفاع تكاليف المدخلات.
  2. ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل جنوني: يعاني المزارع السوري من ارتفاع غير مسبوق في تكاليف مستلزمات الإنتاج كالأسمدة (مثل سماد اليوريا الذي قفز سعره بشكل مفاجئ)، وأجور اليد العاملة والنقل المرتبطة بأسعار المحروقات.
  3. ضعف العملة والتضخم المستورد: على الرغم من الحديث عن استبدال العملة، لا تزال قيمة الليرة السورية ضعيفة أمام الدولار، مما يجعل الغلاء “مستوردًا” نظرًا لاعتماد الاقتصاد السوري الكبير على الاستيراد للمواد التامة والأولية.
  4. اضطراب سلاسل التوريد وتكاليف النقل: تتأثر سلاسل التوريد بعوامل داخلية كضعف البنى التحتية، وعوامل خارجية كالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، مما يزيد تكاليف الشحن وينعكس على الأسعار.
  5. غياب التدخل الفعال وآليات السوق غير المنضبطة: مع اعتماد وزارة الاقتصاد على سياسة السوق الحر وغياب الرقابة الفعالة، يلعب التجار والوسطاء دوراً في المضاربة على الأسعار، حيث تذهب الزيادات الكبيرة إلى جيوبهم بينما يتقاضى المزارع ثمناً زهيداً.

تضخم غذائي حاد وتأثيرات جيوسياسية

من جانبه، اعتبر الباحث الاقتصادي محمد السلوم أن السوق السوري يشهد موجة تضخم غذائي حاد ومتسارع، وليست مجرد زيادة موسمية. وأوضح أن هذه الموجة ناتجة عن تداخل عدة عوامل بنيوية:

  1. الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة: تعتمد سلاسل الإمداد الغذائية على الوقود المستورد أو مرتفع الكلفة، مما يضيف أعباء إضافية على كل حلقة من حلقات سلسلة القيمة الغذائية.
  2. اختناقات العرض: ضعف الإنتاج المحلي وتعقيدات الاستيراد أو تأخر منح الإجازات يخلق نقصاً فعلياً أو متوقعاً في المعروض، مما يدفع التجار للتسعير وفق “سعر الغد” تحسباً لارتفاعات لاحقة.
  3. ارتفاع الطلب الموسمي: يتزامن مع حلول شهر رمضان، لكنه يعمل هذه المرة فوق أرضية تضخمية هشة تراكمت على مدى سنوات طويلة.
  4. الإرث التضخمي الثقيل: تراكم منذ عام 2019، حيث أضعفت الزيادات التراكمية الكبيرة في أسعار السلع الأساسية قيمة العملة المحلية وأفرغت الأجور من مضمونها الحقيقي.

وفي السياق الجيوسياسي الأوسع، أشار السلوم إلى تأثير التوترات الإقليمية، بما فيها التصعيد بين إيران وإسرائيل، على رفع تكاليف الطاقة والنقل والشحن والتأمين في المنطقة، وزيادة مخاطر اضطراب الإمدادات، مما يضاعف الضغوط التضخمية على اقتصاد هش يعتمد على الواردات.

تآكل القدرة الشرائية وتفاقم الفقر

يقدر الدكتور عبد الرحمن محمد أن معدل التضخم السنوي في الربع الأول من عام 2026 يتجه للاقتراب من حوالي 100% أو أكثر، محذراً من توقعات تشير إلى احتمالية تسجيل تضخم يتجاوز 124%. ولخص الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية بالآتي:

  • تآكل القدرة الشرائية: انهيار القوة الشرائية للمواطن السوري، حيث لم تعد الرواتب والأجور قادرة على مواكبة الارتفاع الجنوني في الأسعار.
  • انخفاض الإقبال على الشراء: ارتفاع الأسعار يقابله انخفاض في الإقبال على الشراء بنسب تصل إلى 40%، مما يعكس حالة الركود التضخمي.
  • تفاقم الفقر والبطالة: تزيد هذه الأوضاع من معدلات الفقر والبطالة التي قد تصل إلى 60% من القوى العاملة في سيناريوهات متدهورة.

أما الباحث محمد السلوم، فيتوقع أن يتراوح معدل التضخم السنوي العام في سوريا حالياً بين 40 و70 بالمئة، بينما قد يصل التضخم الغذائي في بعض السلع إلى 60 إلى 100%، مع تفاوتات بين المناطق. ويرى السلوم أن انعكاسات هذه الموجة تتجاوز الجانب الاقتصادي لتطال البعد الاجتماعي، حيث تتسع ظاهرة “فقر الغذاء”، وتضطر الأسر لتقليص استهلاك البروتينات والفواكه والتحول نحو سلع أرخص وأقل جودة، مما يحمل آثاراً صحية محتملة. كما يؤدي تسارع الأسعار إلى إضعاف قدرة المنتجين والتجار على التخطيط، ويوسع حجم الاقتصاد غير المنظم، ويعزز ظاهرة التسعير بالعملات الأجنبية.

وبالنسبة للآثار الاقتصادية، أشار الدكتور عبد الرحمن محمد إلى تراجع الإنتاج المحلي بسبب ارتفاع التكاليف، وتوسع السوق الموازية وضعف الاقتصاد الرسمي، واستنزاف مدخرات المواطنين.

مطالب بدعم الإنتاج ومراقبة الأسواق: حلول مقترحة

اقترح الدكتور عبد الرحمن محمد مجموعة من الحلول العاجلة والاستراتيجية:

  1. التدخل المباشر لدعم الإنتاج: التوجه نحو “دعم نقدي ذكي” للمواطنين الأكثر حاجة، بالتوازي مع دعم مستلزمات الإنتاج للمزارعين والصناعيين المحليين لزيادة المعروض وكسر الاحتكار.
  2. مراقبة الأسواق وكسر الاحتكار: تفعيل دور وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لمراقبة سلاسل التوريد والتصدي للمضاربات غير المشروعة.
  3. العمل على استقرار سعر الصرف: ضبط سوق القطع الأجنبي عبر تعزيز الاحتياطي من العملات الصعبة وخلق آليات شفافة لتدفق الحوالات والاستثمارات.
  4. استراتيجية وطنية للتحول الاقتصادي: الانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “صناعة النمو” عبر خطط لتحقيق سيادة الغذاء والطاقة، والاستثمار في رأس المال البشري، وتحويل الاقتصاد من ريعي إلى إنتاجي.

أما الباحث الاقتصادي محمد السلوم، فيرى أن المعالجة تتطلب الجمع بين إجراءات إسعافية قصيرة الأجل وإصلاحات تدريجية أعمق. فعلى المدى القريب، يرى حاجة ملحة لاستهداف السلع الغذائية الأساسية بآليات دعم ذكية ومركزة، ومراجعة قيود الاستيراد، وضبط هوامش الربح. وعلى المدى المتوسط، يظل استقرار الأسعار مرهوناً بتخفيض تكاليف الإنتاج المحلي في قطاعات الزراعة والدواجن والتصنيع الغذائي، وتحسين بيئة سعر الصرف، وبناء شراكة أكثر فاعلية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لإدارة ملف الأمن الغذائي، خاصة في المواسم الحساسة كشهر رمضان.

شارك الخبر: