موجة غلاء غير مسبوقة تضرب الأسواق السورية: خبراء اقتصاديون يحللون الأسباب والآثار ويقدمون حلولاً عاجلة


هذا الخبر بعنوان "الغلاء يلاحق السوريين.. خبيران يقيّمان الواقع الاقتصادي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد الأسواق السورية حالياً موجة جديدة وحادة من ارتفاع الأسعار، طالت شريحة واسعة من السلع الأساسية والمواد الغذائية، في ظل ظروف اقتصادية معقدة ترهق كاهل المواطنين السوريين. هذا الارتفاع المتسارع ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية، حيث تتسع الفجوة بشكل مقلق بين مستويات الدخل والأسعار، مما يدفع العديد من الأسر إلى تقليص استهلاكها أو التخلي عن سلع ضرورية. كما يهدد استمرار هذا التصاعد في الأسعار بتفاقم معدلات التضخم وتدهور القدرة الشرائية، مما يعمق التحديات الاجتماعية والاقتصادية اليومية.
في جولة ميدانية أجرتها عنب بلدي في عدد من أسواق المحافظات السورية، لوحظ ارتفاع كبير في الأسعار خلال الأسبوع الحالي، حيث قفزت أسعار بعض السلع بنحو 50%. على سبيل المثال، تراوح سعر كيلو الفروج بين 34 و39 ألف ليرة سورية، بعد أن كان يتراوح بين 28 و32 ألف ليرة سورية الأسبوع الماضي. ووصل سعر كيلو شرحات الدجاج إلى حوالي 80 ألف ليرة سورية، مقارنة بـ 52-56 ألف ليرة سورية سابقاً، بينما سجل كيلو “فخاذ الوردة” 50 ألف ليرة سورية بعد أن كان 35 ألف ليرة سورية.
الخضار أيضاً لم تسلم من هذه الموجة، فسجل كيلو البندورة في أسواق دمشق 20 ألف ليرة سورية، بعد أن كان 12 ألف ليرة سورية الأسبوع الماضي. وسجل كيلو الخيار والفليفة 18 ألف ليرة سورية، بينما كان سعرهما 11-15 ألف ليرة سورية، وتجاوز سعر كيلو الليمون 25 ألف ليرة سورية بعد أن كان حوالي 18 ألف ليرة سورية. كما طال الغلاء أصناف الحلويات والعصائر والفاكهة وحتى أسعار الألبسة.
وأكد عدد من الباعة الذين التقتهم عنب بلدي تراجع حركة البيع بنسبة كبيرة، حيث أصبحت المبيعات تقتصر على عينات صغيرة. وأرجعوا أسباب الغلاء إلى عوامل عدة، أبرزها ارتفاع أجور النقل ونقص المنتج المحلي، بالإضافة إلى إغلاق استيراد بعض الأصناف الزراعية والحيوانية.
تثير هذه الموجة الجديدة من ارتفاع الأسعار تساؤلات حول أسبابها الحقيقية وارتباطها بالمتغيرات الاقتصادية المحلية والإقليمية، وتأثيراتها المباشرة على القدرة الشرائية للأسر السورية ومستويات المعيشة. كما تثير مخاوف من استمرار الضغوط التضخمية إذا لم تُتخذ إجراءات للحد من تسارع الأسعار.
الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة”، الدكتور عبد الرحمن محمد، وصف الموجة التضخمية الحالية بأنها عنيفة وثانية من نوعها من حيث الحدة خلال فترة قصيرة، حيث قفزت أسعار المواد الأساسية بشكل غير مسبوق. وأوضح أن هذه الموجة ليست مجرد ارتفاع موسمي عابر، بل هي “تضخم هيكلي ومستورد في آن واحد”.
وحدد الدكتور محمد خمسة عوامل اقتصادية رئيسية وراء هذا التضخم:
من جانبه، اعتبر الباحث الاقتصادي محمد السلوم أن السوق السوري يشهد موجة تضخم غذائي حاد ومتسارع، وليست مجرد زيادة موسمية. وأوضح أن هذه الموجة ناتجة عن تداخل عدة عوامل بنيوية:
وفي السياق الجيوسياسي الأوسع، أشار السلوم إلى تأثير التوترات الإقليمية، بما فيها التصعيد بين إيران وإسرائيل، على رفع تكاليف الطاقة والنقل والشحن والتأمين في المنطقة، وزيادة مخاطر اضطراب الإمدادات، مما يضاعف الضغوط التضخمية على اقتصاد هش يعتمد على الواردات.
يقدر الدكتور عبد الرحمن محمد أن معدل التضخم السنوي في الربع الأول من عام 2026 يتجه للاقتراب من حوالي 100% أو أكثر، محذراً من توقعات تشير إلى احتمالية تسجيل تضخم يتجاوز 124%. ولخص الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية بالآتي:
أما الباحث محمد السلوم، فيتوقع أن يتراوح معدل التضخم السنوي العام في سوريا حالياً بين 40 و70 بالمئة، بينما قد يصل التضخم الغذائي في بعض السلع إلى 60 إلى 100%، مع تفاوتات بين المناطق. ويرى السلوم أن انعكاسات هذه الموجة تتجاوز الجانب الاقتصادي لتطال البعد الاجتماعي، حيث تتسع ظاهرة “فقر الغذاء”، وتضطر الأسر لتقليص استهلاك البروتينات والفواكه والتحول نحو سلع أرخص وأقل جودة، مما يحمل آثاراً صحية محتملة. كما يؤدي تسارع الأسعار إلى إضعاف قدرة المنتجين والتجار على التخطيط، ويوسع حجم الاقتصاد غير المنظم، ويعزز ظاهرة التسعير بالعملات الأجنبية.
وبالنسبة للآثار الاقتصادية، أشار الدكتور عبد الرحمن محمد إلى تراجع الإنتاج المحلي بسبب ارتفاع التكاليف، وتوسع السوق الموازية وضعف الاقتصاد الرسمي، واستنزاف مدخرات المواطنين.
اقترح الدكتور عبد الرحمن محمد مجموعة من الحلول العاجلة والاستراتيجية:
أما الباحث الاقتصادي محمد السلوم، فيرى أن المعالجة تتطلب الجمع بين إجراءات إسعافية قصيرة الأجل وإصلاحات تدريجية أعمق. فعلى المدى القريب، يرى حاجة ملحة لاستهداف السلع الغذائية الأساسية بآليات دعم ذكية ومركزة، ومراجعة قيود الاستيراد، وضبط هوامش الربح. وعلى المدى المتوسط، يظل استقرار الأسعار مرهوناً بتخفيض تكاليف الإنتاج المحلي في قطاعات الزراعة والدواجن والتصنيع الغذائي، وتحسين بيئة سعر الصرف، وبناء شراكة أكثر فاعلية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لإدارة ملف الأمن الغذائي، خاصة في المواسم الحساسة كشهر رمضان.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد